العودة إلى الرئيسية

17 أكتوبر 2026فريق البحث التاريخيقراءة 55+ دقيقة

التاريخ الثقافي والاقتصادي

المعرضان العربيان في القدس
1933–1934: عندما تحولت المدينة إلى واجهة للصناعة والفن العربي

في ثلاثينيات القرن العشرين لم تكن القدس مجرد مركز ديني وإداري؛ فقد استضافت معرضين عربيين قدما المنتجات والصناعات والحرف والفنون من فلسطين وبلدان عربية أخرى. تتبع هذه الصفحة المعرضين في 1933 و1934، والمكان الذي احتضنهما، وشبكات التجار والصناع والمثقفين التي ظهرت من خلالهما، وما تكشفه الصور والكتيبات المعاصرة عن طموح اقتصادي وثقافي إقليمي.

حشود أمام مبنى المعرض العربي الثاني في القدس عام 1934

المعرض الأول

1933

أقيم أول معرض عربي في القدس بوصفه معرضاً تجارياً وصناعياً عربياً واسع النطاق.

المعرض الثاني

1934

عادت التجربة في العام التالي بصيغة أوسع، وتظهر صورها حشود الزوار واللافتات العربية على مبنى المعرض.

المكان

القدس

ارتبطت الفعاليات بمبنى فندق الأوقاف/بالاس في القدس، وهو مبنى بارز في المشهد العمراني للمدينة آنذاك.

الفكرة

اقتصاد + ثقافة

جمعت المعارض بين عرض السلع والحرف والصناعات وبين خطاب نهضوي عن الإنتاج والاتصال العربي.

بداية الثلاثينيات

لماذا كان المعرض فكرة كبيرة في ذلك الوقت؟

شهدت فلسطين في بداية الثلاثينيات توسعاً في المدن والأسواق والطباعة والمصارف وشركات النقل، بالتوازي مع أزمات اقتصادية وسياسية حادة. في هذا السياق ظهرت فكرة المعرض كأداة عملية: مكان يلتقي فيه المنتج والمشتري، والصانع والتاجر، والجمهور مع صورة جديدة عن الاقتصاد العربي القادر على التنظيم والعرض والتسويق.

وجود دليل مطبوع للمعرض الأول في 1933، ومخططات للأجنحة وصور للقاعات، يؤكد أن النشاط لم يكن تجمعاً خطابياً عابراً. كان هناك تنظيم مكاني، وعارضون، ومواد تعريفية، وبرنامج هدفه جعل السلع والحرف والصناعات مرئية للجمهور.

المعارض التجارية كانت جزءاً من لغة الحداثة الاقتصادية في مدن كثيرة خلال النصف الأول من القرن العشرين. تبنت النخب العربية والفلسطينية هذا الشكل لتشجيع الصناعة المحلية وربط الأسواق الإقليمية ببعضها.

لا ينبغي افتراض أن المعرض مثل كل الاقتصاد الفلسطيني أو العربي. هو نافذة على فئة من المنتجين والتجار والمؤسسات القادرة على المشاركة، وليس تعداداً شاملاً لكل نشاط اقتصادي.

1933

المعرض الأول: تحويل الفكرة إلى مؤسسة مؤقتة

افتتاح المعرض العربي الأول في القدس عام 1933 أعطى المشروع شكله المادي. اجتمعت المنتجات في قاعات مصممة للعرض، وجرى تقديمها ضمن لغة تؤكد الجودة والقدرة على المنافسة والاتصال بين فلسطين ومحيطها العربي.

دليل المعرض الباقي اليوم يتضمن مخططاً للقاعات ومساحات مخصصة للأجنحة، وهو دليل مباشر على حجم التخطيط اللوجستي. كما أن وجود مواد دعائية مطبوعة يشير إلى جمهور مستهدف خارج دائرة المنظمين أنفسهم.

كانت القدس مركزاً إدارياً وصحفياً وتعليمياً، ولذلك وفرت شبكة من الفنادق والطرق والطباعة والجمهور والزوار. اختيارها أتاح للمعرض أن يكون حدثاً محلياً وإقليمياً في الوقت نفسه.

القوائم المنشورة للعارضين قد لا تكون كاملة، كما أن بعض المصادر اللاحقة تعيد بناء أسماء المشاركين من إعلانات صحفية أو مقتنيات خاصة؛ لذلك من الأفضل الرجوع إلى الكتالوج الأصلي عند نسبة جناح أو شركة بعينها.

1934

المعرض الثاني: صورة أكثر جرأة للنهضة

تكرار التجربة في 1934 يعني أن المنظمين رأوا قيمة في الاستمرار. الصور المعروفة للمعرض الثاني تظهر حشوداً أمام المبنى ولافتات عربية كبيرة، ما يمنحنا دليلاً بصرياً على أن الحدث أصبح جزءاً من المشهد العام للمدينة.

ملصقات وصور 1934 توظف كلمة «العربي» بصورة بارزة وتستخدم لغة بصرية حديثة. هذه المواد ليست مجرد زينة؛ هي جزء من الطريقة التي صاغ بها المنظمون رسالة المعرض باعتباره مشروعاً اقتصادياً وثقافياً عابراً للحدود المحلية.

كانت المنطقة تشهد نقاشات واسعة حول التنمية والاستقلال الاقتصادي ومقاطعة بعض الواردات وتشجيع الإنتاج المحلي. المعرض وفر منصة عملية لهذه النقاشات بدل بقائها في المقالات والخطب فقط.

الحضور الكبير في صورة واحدة لا يسمح بتقدير دقيق لعدد الزوار الكلي. الصور توثق كثافة لحظة معينة، بينما تحتاج أرقام الحضور إلى سجلات تذاكر أو تقارير إدارية مستقلة.

داخل القاعات

ماذا يعني عرض الصناعة والحرفة معاً؟

جمع المعرض بين منتجات حديثة وحرف يدوية وسلع استهلاكية، وهو ما يكشف اقتصاداً لا ينقسم ببساطة إلى تقليدي وحديث. ورشة صغيرة، مصنع، منتج زراعي أو قطعة حرفية يمكن أن تشترك جميعاً في منطق واحد: إظهار القدرة على الإنتاج وخلق سوق أوسع.

المخططات والكتيبات وصور الأجنحة تشير إلى تقسيم فضاء العرض وترتيبه، بينما تكشف الإعلانات الصحفية المعاصرة أهمية العلامة التجارية والتغليف والاسم التجاري. هذه عناصر أساسية في انتقال السلعة من محيط محلي إلى جمهور أوسع.

في فلسطين الانتدابية كانت الصناعة في معظمها صغيرة ومتوسطة الحجم، إلى جانب منشآت أكبر في التبغ والطحن والصابون والمواد الإنشائية. لذلك جاء المعرض قريباً من البنية الحقيقية للاقتصاد، حيث تتجاور الورشة والمصنع والتجارة العائلية.

لا تعني مشاركة سلعة في معرض أنها كانت واسعة الانتشار أو مربحة. العرض يثبت وجود المنتج وطموح تسويقه، لكنه لا يقدم وحده بيانات المبيعات أو حجم رأس المال.

شبكة عربية

القدس بوصفها نقطة اتصال لا جزيرة منفصلة

أحد أهم أبعاد المعرضين أنهما وضعا فلسطين داخل شبكة عربية أوسع. فكرة المعرض العربي تعتمد أساساً على الحركة: وصول عارضين وسلع ومطبوعات وأفكار من خارج المدينة، ثم عودة هذه العلاقات إلى أسواق أخرى بعد انتهاء الحدث.

الاسم الرسمي والدعاية المرافقة للمعرضين يؤكدان البعد العربي، بينما توضح مواد الكتالوج أن المقصود لم يكن سوقاً بلدياً محدوداً. كان الخطاب موجهاً إلى فضاء اقتصادي وثقافي يمتد إلى مدن المشرق وما وراءها.

قبل ترسخ الحدود الوطنية الحديثة بصورتها الحالية كانت التجارة والسفر بين حيفا وبيروت ودمشق والقاهرة وغيرها جزءاً من حياة التجار والطلاب والمثقفين. المعرض استثمر هذه المسارات القائمة ولم ينشئها من الصفر.

عبارة «شبكة عربية» لا تعني غياب الحواجز الجمركية أو السياسية. سلطات الانتداب والحدود الجديدة والتعرفة والعملة كلها أثرت في سهولة انتقال السلع والأشخاص.

ملصقات وكتيبات

المعرض كمدرسة في التصميم والدعاية

تكشف الملصقات والأغلفة أن المعارض لم تهتم بالمنتج فقط، بل بالطريقة التي يظهر بها. الخط العربي والزخرفة وصور العمارة والرموز الحديثة اجتمعت لإنتاج هوية بصرية تقول إن التحديث لا يتطلب التخلي عن اللغة والثقافة المحلية.

الملصق المحفوظ لمعرض 1934 والدليل المطبوع لمعرض 1933 يقدمان مصدرين ماديين يمكن مقارنتهما مباشرة. كلاهما صمم ليُحمل ويُعرض ويقنع، وهو ما يجعلهما وثيقتين عن تاريخ الإعلان بقدر ما هما وثيقتان عن المعرض.

كانت الصحافة الفلسطينية والطباعة الحجرية والإعلانات التجارية تنمو في هذه الفترة. لذلك جاءت ثقافة المعارض ضمن بيئة تعرف أهمية الصورة والعنوان والشعار والصفحة المطبوعة في صناعة جمهور جديد.

الرموز المستخدمة في الملصقات تعبر عن رؤية المنظمين والمصممين، ولا ينبغي اعتبارها تعريفاً وحيداً للهوية الفلسطينية أو العربية في تلك المرحلة.

الاقتصاد والسياسة

لماذا لا يمكن فصل المعرض عن زمنه السياسي؟

كان تشجيع الإنتاج العربي يحمل معنى اقتصادياً مباشراً، لكنه كان أيضاً مرتبطاً بأسئلة السيطرة على السوق والاستقلال والقدرة المؤسسية. في ظل الانتداب البريطاني وتصاعد الصراع على الأرض والهجرة والسيادة، اكتسبت مبادرات الاقتصاد والثقافة حمولة سياسية حتى حين صيغت بلغة التجارة.

الصحافة والبيانات والمواد الدعائية في الثلاثينيات كثيراً ما ربطت بين دعم الصناعة المحلية وتقوية المجتمع. المعرضان مثال ملموس على تحويل هذا الخطاب إلى بنية مؤقتة يمكن للجمهور زيارتها ورؤية المنتجات داخلها.

بعد عامين فقط من المعرض الثاني دخلت فلسطين الإضراب العام والثورة الكبرى 1936–1939. لذلك تمثل 1933–1934 لحظة مهمة لفهم المؤسسات المدنية والاقتصادية التي كانت ناشطة قبيل الانفجار السياسي الواسع.

من الخطأ اختزال كل مشارك في موقف سياسي واحد. الدوافع الاقتصادية والمهنية والشخصية للعارضين متنوعة، والحدث نفسه جمع مصالح ودوائر مختلفة.

الذاكرة

لماذا عادت المعارض إلى الواجهة بعد عقود؟

إعادة اكتشاف الصور والملصقات والكتيبات غيرت الطريقة التي يروى بها تاريخ فلسطين قبل 1948. بدلاً من الاقتصار على الأزمات السياسية، تكشف هذه المواد مجتمعاً ينظم المعارض ويصمم الإعلانات ويطور الأسواق ويبحث عن موقع اقتصادي وثقافي في المنطقة.

المشاريع البحثية والمعارض الفنية الحديثة التي عادت إلى «النهضة» والمعرضين تعتمد على مواد أصلية نجت في الأرشيفات والمجموعات الخاصة. هذه العودة تؤكد أن الوثيقة التجارية يمكن أن تصبح مصدراً مركزياً للتاريخ الاجتماعي والثقافي.

أرشفة الحياة اليومية والاقتصاد والثقافة تكمل تاريخ الحروب والمؤتمرات. وهي تساعد على رؤية فلسطين كفضاء مؤسسات وعمل ومبادرات، لا مجرد ساحة لأحداث سياسية متتابعة.

الذاكرة المعاصرة قد تميل إلى المثالية. قيمة المعرضين التاريخية لا تحتاج إلى تحويلهما إلى قصة نجاح بلا حدود؛ الأهم فهم ما حاولا فعله وما تسمح الوثائق بإثباته فعلاً.

شاهد

فيديوهات موثوقة للسياق التاريخي

اخترنا المواد المرئية أدناه لأنها متاحة حاليًا على قنوات معروفة أو أرشيفية وتقدّم سياقًا بصريًا يساعد على قراءة الوثائق والصور. تبقى المصادر المكتوبة والأرشيفية في أسفل الصفحة المرجع الأساسي للتحقق من التفاصيل.

Al Jazeera English

Palestine’s arts before 1948

مادة مرئية عن الفنون والحياة الثقافية الفلسطينية قبل 1948، مفيدة لوضع المعارض داخل المشهد الثقافي الأوسع.

British Pathé

In Palestine Today (1938)

لقطات أرشيفية من فلسطين في أواخر الثلاثينيات تساعد على تصور المدن والأسواق والحركة العامة في الفترة القريبة من المعرضين.

المصادر

المصادر والمراجع

بُني هذا المقال على مراجع أرشيفية ومؤسسات بحثية ومصادر أولية أو مجموعات رقمية يمكن الرجوع إليها. الروابط أدناه مقصودة للقراءة المتعمقة، وللتأكد من التواريخ والصور والسياقات الواردة في النص.

ملاحظة الأرشيف

التاريخ هنا قابل للتحقق والتوسّع.

تستخدم الصفحة الصور والكتيبات المعاصرة بوصفها أدلة على تنظيم المعارض وتمثيلها البصري، مع التفريق بين المادة الأصلية والقراءات اللاحقة. بعض تفاصيل المشاركين والأجنحة تختلف بين الكتالوجات والدراسات، لذلك تُذكر فقط المعلومات القابلة للإسناد الواضح.