تاريخ المدن والحرب العالمية الأولى
غزة
1516–1948: المدينة والطريق التجاري ومعارك 1917
تاريخ مدينة كانت عقدة بين مصر وبلاد الشام، عاشت أربعة قرون داخل الدولة العثمانية، ثم تحولت في الحرب العالمية الأولى إلى جبهة عسكرية قاسية تعرض سكانها للإخلاء والمدينة للدمار قبل أن يعاد بناؤها تحت الانتداب البريطاني. هذه قراءة في الأسواق والطرق والزراعة والمجتمع والبلدية والحرب والذاكرة، مدعومة بصور مكتبة الكونغرس وأبحاث أكاديمية وفيديوهات تاريخية موثوقة.

الحكم العثماني
1516–1917
دخلت غزة مع بقية فلسطين تحت الحكم العثماني في أوائل القرن السادس عشر وظلت مركزًا مهمًا على الطريق الساحلي بين مصر وبلاد الشام.
ثلاث معارك
1917
شهد خط غزة–بئر السبع ثلاث جولات كبرى من القتال بين الجيش العثماني والقوات البريطانية وحلفائها قبل سقوط المدينة في نوفمبر.
إخلاء ودمار
1917
أدت الحرب والقصف والإخلاء العسكري إلى تفريغ أجزاء واسعة من غزة وتضرر مبانٍ وأحياء، ثم بدأت عودة السكان وإعادة البناء بعد الاحتلال البريطاني.
مرجع اجتماعي
325 صفحة
توثق دراسة أباهر السقا عن غزة في عهد الانتداب البريطاني البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمدينة بين 1917 و1948.
مدينة على عقدة الطريق بين مصر والشام
موقع غزة يفسر جزءًا كبيرًا من تاريخها. فالمدينة تقوم على طرف السهل الساحلي الجنوبي، إلى الشمال الشرقي من سيناء وعلى مسار قديم يربط وادي النيل بالساحل الفلسطيني ثم بمدن الشام. لم تكن الطرق في الأزمنة السابقة خطوطًا مستقيمة كما نراها على الخرائط الحديثة؛ كانت شبكات تتحرك فيها القوافل والجنود والحجاج والتجار والرسل بين نقاط الماء والأسواق والخانات. لهذا اكتسبت غزة أهمية تتجاوز حجمها المحلي: من يسيطر على الطريق الساحلي يستطيع مراقبة بوابة فلسطين الجنوبية، ومن يعمل في أسواق المدينة يستطيع الاتصال بمنتجين وتجار من الريف ومن مصر ومن مدن الساحل والداخل في الوقت نفسه.
كان اقتصاد غزة مرتبطًا بهذا الموقع وبظهير زراعي واسع. الحبوب والزيت والسمسم والمنتجات الحيوانية والمحاصيل البستانية كانت تصل من القرى المحيطة، بينما تدخل عبر السوق سلع مستوردة أو قادمة من مدن أخرى. كما حافظت المدينة على صلات بالبدو الذين تحركوا في جنوب فلسطين وسيناء والنقب، وكانت العلاقة معهم تتراوح بين التجارة والتحالف والتنافس على الموارد والطرق. ولذلك لا يصح تصوير غزة بوصفها ميناءً فقط أو مدينة حدودية منعزلة؛ كانت مركزًا إقليميًا يجمع الاقتصاد الحضري بالريف وبالمسارات الصحراوية، ويعيد توزيع السلع والأخبار والأشخاص في اتجاهات متعددة.
أثر المناخ كذلك في إيقاع الحياة. فالمنطقة تعتمد على أمطار شتوية متفاوتة وعلى آبار ومصادر مياه محلية، ولهذا كان نجاح المواسم الزراعية ينعكس سريعًا على الأسعار والأسواق. ومع نمو النقل الحديث في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع العشرين بقي الطريق البري عاملًا أساسيًا، ثم جاءت السكك العسكرية خلال الحرب العالمية الأولى والطرق التي حسنتها سلطات الانتداب لتغير زمن الرحلة وحجم الحركة. ومع ذلك بقيت غزة مدينة تُفهم من علاقتها بمحيطها: البساتين والحقول والقرى ليست خلفية للمشهد الحضري، بل جزء من الاقتصاد الذي حافظ على الأسواق والحرف والعمالة داخل المدينة.
أربعة قرون من الإدارة والأسواق والوقف
بعد الفتح العثماني لبلاد الشام سنة 1516 دخلت غزة ضمن النظام الإداري للدولة الجديدة، وحافظت في مراحل مختلفة على مكانة إدارية وتجارية مهمة. مثل مدن عثمانية أخرى، تشكلت السلطة اليومية من تداخل موظفي الدولة والقضاء الشرعي والأعيان المحليين والأوقاف والعائلات التجارية ورؤساء الحرف والوجهاء الريفيين. لم تكن إسطنبول تدير تفاصيل كل سوق أو زقاق مباشرة؛ كانت الضرائب والأمن والقضاء والتجنيد وتموين الطرق تُدار عبر مؤسسات وشبكات محلية تتغير بتغير قوة الدولة والولاة والأسر البارزة. هذا التداخل يفسر قدرة المدينة على الاستمرار حتى عندما تغيرت الحدود الإدارية أو ضعف المركز في بعض الفترات.
لعب الوقف دورًا مهمًا في العمران والخدمات الدينية والاجتماعية. المسجد العمري الكبير وغيره من المساجد والزوايا والمقابر والأسواق ارتبطت بأوقاف تمول أئمة أو فقراء أو صيانة مبانٍ ومرافق. كما شكلت الخانات والحمامات والأسواق فضاءات للعمل واللقاء، بينما امتدت الأحياء السكنية حول النواة التقليدية. صورة غزة العثمانية التي نستطيع إعادة بنائها من السجلات والرحلات والصور اللاحقة ليست مدينة ثابتة؛ المباني تتضرر وتُرمم، العائلات تصعد وتتراجع، وطرق التجارة نفسها تتحول. الاستمرارية الحقيقية كانت في وظيفة المدينة بوصفها مركزًا لسكان جنوب فلسطين أكثر من كونها شكلًا معماريًا لا يتغير.
خلال القرن التاسع عشر تعمق حضور الدولة العثمانية مع إصلاحات التنظيمات، وظهرت أشكال جديدة من الإدارة والبلديات والتعليم والاتصال. سجل الأراضي والضرائب والتجنيد الإجباري والتلغراف والطرق زادت احتكاك السكان بالدولة، كما فتحت التجارة المتوسطية مجالات جديدة للمنتجين والتجار. لم تختف المؤسسات الأقدم؛ استمرت المحاكم الشرعية والأوقاف والعلاقات العائلية، لكنها عملت داخل بيئة إدارية أكثر انتظامًا. في هذه المرحلة أخذت غزة تدخل العصر الحديث تدريجيًا من دون قطيعة فورية مع ماضيها، وهو ما يظهر في بقاء الأسواق والمسجد القديم بجوار مؤسسات ومدارس وطرقات ونظم صحية أحدث.
الأحياء والعائلات والتعليم والحياة اليومية
المجتمع الغزّي قبل الحرب العالمية الأولى كان مجتمع مدينة إقليمية لها صلات كثيفة بريفها. ضمت المدينة مسلمين ومسيحيين، وعاشت فيها عائلات تعمل بالتجارة والملكية الزراعية والحرف والقضاء والتعليم والخدمات الدينية. كانت القرابة مهمة في تنظيم الثقة والتجارة والزواج، لكنها لم تكن المؤسسة الوحيدة؛ المدرسة والمسجد والكنيسة والسوق والحرف والمجالس المحلية صنعت دوائر أوسع من العلاقات. وفي مواسم المحاصيل أو الحج أو تحرك القوافل كانت المدينة تستقبل زوارًا وعمالًا وتجارًا من خارجها، فتتحول الشوارع والأسواق إلى فضاء يتجاوز سكان غزة الدائمين.
يظهر التعليم بوصفه أحد مفاتيح التحول في أواخر العهد العثماني ثم زمن الانتداب. المدارس الحكومية والدينية والأهلية والتبشيرية لم تقدم نموذجًا واحدًا، بل مسارات مختلفة في المناهج واللغة والفرص الاجتماعية. معرفة القراءة والكتابة توسعت ببطء، وارتبطت الوظائف الحديثة في الإدارة والتجارة والصحافة والحساب بالتعليم. كما أن وصول الصحف من يافا والقدس وحيفا وربما القاهرة وبيروت وسع المجال الذي يناقش فيه المتعلمون السياسة والإصلاح والاقتصاد. هكذا أصبح الغزّي يستطيع أن يعيش في مدينة جنوبية وفي الوقت نفسه يتابع نقاشات عربية وعثمانية وإقليمية أوسع.
الصور التي التقطتها لاحقًا بعثة التصوير الأمريكية وماتسون تساعد في رؤية بعض عناصر الحياة العمرانية: المآذن، الطرق، الأسواق، أسطح البيوت، والامتداد المحيط بالمدينة. لكنها لا تكفي وحدها لرسم المجتمع؛ المصور يختار ما يراه جديرًا بالتسجيل، وغالبًا ما تميل الأرشيفات الغربية إلى الآثار أو المشاهد التي بدت لها «شرقية» أو استثنائية. لذلك تُقرأ الصور إلى جانب سجلات السكان والبلدية والصحف والروايات الشفوية. الجمع بين هذه الأنواع من المصادر يوضح أن الحياة اليومية كانت أقل غرابة وأكثر انتظامًا مما توحي به صور الرحالة: عمل وأسرة ومدرسة ومرض وأسعار ومواسم ومفاوضة مستمرة مع السلطة.
بلدية وإصلاحات واقتصاد قبل الحرب
في العقود السابقة لعام 1914 عرفت فلسطين توسعًا في البلديات والطرق والاتصالات، وكانت غزة جزءًا من هذه العملية. البلدية لم تكن حكومة مستقلة، لكنها صارت أداة لتنظيم النظافة والطرقات والأسواق والرسوم وبعض الخدمات. ومع اتساع التجارة احتاج التجار إلى معلومات أسرع عن الأسعار والشحن، وساعد التلغراف والبريد والطرق في تقليص عزلة المناطق. هذه التحولات لا تعني أن كل السكان استفادوا بالتساوي؛ الريف الفقير والحرفيون والعمال ظلوا معرضين لتقلب المواسم والضرائب والديون، بينما تمكن بعض الملاك والتجار من توسيع شبكاتهم.
كانت غزة في مطلع القرن العشرين مدينة ذات ذاكرة دينية وعمرانية قديمة، لكنها مرتبطة كذلك بصعود السياسة الحديثة. الثورة الدستورية العثمانية سنة 1908 واتساع الصحافة العربية ونقاشات الإصلاح واللامركزية والقومية أثرت في النخب المتعلمة في أنحاء فلسطين. لا نملك سببًا لافتراض أن كل سكان غزة تبنوا موقفًا واحدًا؛ الانتماءات العثمانية والمحلية والعربية والدينية والعائلية تداخلت بدرجات مختلفة. الأهم أن المجال السياسي أصبح أوسع من علاقة الفرد بمسؤول محلي، وأصبح للصحيفة والانتخابات البلدية والجمعيات والبرقيات والعرائض وزن متزايد في التعبير عن المطالب.
ثم جاءت الحرب العالمية الأولى وقلبت هذه البيئة. التعبئة العسكرية والتجنيد ومصادرة دواب ومحاصيل وقيود النقل ونقص المواد جعلت حياة المدنيين أكثر صعوبة في عموم بلاد الشام. ومع اقتراب الجبهة من غزة لم تعد المشكلة ارتفاع الأسعار فقط، بل تحول المدينة نفسها إلى موقع عسكري. الطرق التي صنعت ازدهارها التاريخي جعلتها الآن جبهة يجب الدفاع عنها، والاتصال بمصر الذي كان مصدر تجارة أصبح اتجاه تقدم لجيش بريطاني يقاتل الدولة العثمانية. هذه المفارقة بين ميزة الموقع وخطره هي مفتاح لفهم ما وقع سنة 1917.
غزة خلف الجبهة: النقص والإخلاء والعسكرة
منذ دخول الدولة العثمانية الحرب في أواخر 1914 أصبحت جنوب فلسطين جزءًا من مسرح عمليات يهدف فيه الجيش العثماني إلى الدفاع عن الشام وفلسطين ومهاجمة المصالح البريطانية في مصر. تحركت القوات والقطارات والقوافل، واستُخدمت المدن والقرى في الإمداد والإيواء والمستشفيات. غزة، لقربها من الحدود المصرية، أخذت أهمية عسكرية متزايدة. ومع فشل الحملات العثمانية على قناة السويس وانتقال المبادرة تدريجيًا إلى الجيش البريطاني، صار خط الدفاع حول غزة وبئر السبع حاسمًا في حماية الطريق نحو القدس والشمال.
توضح دراسة المؤرخ دوتان هاليفي عن غزة في الحرب أن المدنيين لم يكونوا مجرد مشاهدين خلف الجبهة. المدينة كانت سوقًا ومخزنًا ومكانًا لتحرك الجنود، ثم أصبحت مسرحًا للإخلاء والدمار. في ظروف الحرب تفككت أنماط التجارة المعتادة وازدادت صعوبة الحصول على الغذاء والوقود، كما فُرضت متطلبات عسكرية على السكان. الإخلاء لم يكن عملية نظيفة ومنظمة؛ العائلات اضطرت إلى نقل ما تستطيع، والمرض والفقر وضياع الممتلكات رافق كثيرين. عندما يتحول البيت إلى منطقة قتال، تصبح الحدود بين التاريخ العسكري والتاريخ الاجتماعي غير قابلة للفصل.
تختلف الشهادات في تفاصيل أعداد المهجرين مؤقتًا وحجم الخسائر المادية، ولذلك من الأفضل تجنب رقم واحد بوصفه نهائيًا. المؤكد أن غزة تضررت بشدة وأن أحياءها ومبانيها تعرضت للقصف، وأن السكان أُبعدوا في سياق العمليات. بعض الصور التي حفظتها مجموعة ماتسون تظهر مباني متضررة ومواقع عسكرية ومعدات تركتها المعارك. قيمة هذه الصور ليست في إثارة الدمار، بل في ربط السرد الاستراتيجي الذي يتحدث عن فرق ومدفعية بخبرة الناس الذين فقدوا مساكنهم ومحالهم أو عادوا إلى مدينة تحتاج إلى إصلاح واسع.
معارك غزة الثلاث وسقوط خط غزة–بئر السبع
وقعت المعركة الأولى لغزة في 26 مارس 1917 عندما حاولت قوة من حملة التجريدة المصرية البريطانية الاستيلاء على المدينة. حققت القوات المهاجمة تقدمًا مهمًا ووصلت إلى مواقع قريبة، لكن مشكلات القيادة والاتصال والتقدير دفعت إلى الانسحاب، فبقيت غزة في أيدي القوات العثمانية. لم يكن الفشل بسيطًا؛ خسائر القتال وأثره النفسي دفعا الطرفين إلى تعزيز المواقع. بالنسبة للعثمانيين والألمان أثبتت غزة أنها قابلة للدفاع، وبالنسبة للبريطانيين صار واضحًا أن عبور جنوب فلسطين لن يكون عملية سريعة.
في أبريل جاءت المعركة الثانية بعد تحضير مدفعي أكبر واستخدام دبابات وغاز في نطاق محدود، لكنها انتهت بفشل بريطاني جديد وخسائر ثقيلة. بين الربيع والخريف استقر خط دفاع يمتد تقريبًا من غزة على الساحل إلى بئر السبع في الداخل. هذه الأشهر حولت المنطقة إلى جبهة منظمة فيها خنادق وطرق إمداد واستطلاع جوي ومدفعية. دراسة الحرب العالمية الأولى في فلسطين تكشف كيف وصلت تقنيات الحرب الصناعية إلى بيئة زراعية ومدن وقرى؛ الطائرة والخريطة والمدفع والأسلاك الشائكة أصبحت جزءًا من المكان الذي كان قبل سنوات سوقًا ومسار قافلة.
في خريف 1917 أعادت القيادة البريطانية تنظيم الحملة تحت إدموند أللنبي. بدأ الهجوم بالاستيلاء على بئر السبع في 31 أكتوبر، ما هدد الجناح الشرقي للخط العثماني، ثم ضغطت القوات على مواقع غزة. في أوائل نوفمبر انسحبت القوات العثمانية من المدينة وتقدم البريطانيون شمالًا. ما يسمى أحيانًا «المعركة الثالثة لغزة» كان جزءًا من مناورة أوسع لكسر خط غزة–بئر السبع، لا هجومًا منفردًا على مركز المدينة فقط. فتح الانهيار الطريق نحو يافا والقدس، لكنه ترك وراءه مجتمعًا مدنيًا يحتاج إلى العودة وإعادة البناء.
العودة وإعادة البناء وإدارة مدينة جريحة
بعد سقوط غزة لم تعد المدينة مباشرة إلى حياة طبيعية. كان على العائلات العودة إلى أحياء تضررت وإعادة فتح الأسواق واستعادة الممتلكات قدر الإمكان، بينما انتقلت الإدارة من الحكم العسكري البريطاني إلى نظام الانتداب المدني الذي أقرته عصبة الأمم. عملية إعادة البناء نفسها تكشف تفاوت الموارد: من يملك رأس مال أو أرضًا أو شبكة عائلية يستطيع الإصلاح أسرع من الفقير أو النازح الذي فقد أدوات عمله. المؤسسات البلدية والخيرية والدينية شاركت في إعادة تشغيل الخدمات، لكن الانتقال إلى حكم استعماري جديد أعاد كذلك تعريف الضرائب والقوانين والشرطة والأراضي.
في كتابه عن التاريخ الاجتماعي لغزة تحت الانتداب يركز أباهر السقا على المدينة من الداخل بدل جعلها هامشًا في سرد يركز على القدس ويافا وحيفا. هذه المقاربة مهمة لأنها تظهر أن غزة امتلكت حياة سياسية واقتصادية خاصة: تجار وأعيان وعمال وموظفون ومزارعون ومدرسون وجمعيات وبلدية وعلاقات مع الريف. الطرق الحديثة والشاحنات وسوق المحاصيل حسنت الاتصال، بينما ظلت الزراعة قاعدة أساسية لكثير من الثروة. المدينة لم تعد كما كانت قبل 1914، لكنها أعادت إنتاج دورها الإقليمي بدل أن تختفي بعد صدمة الحرب.
أدخل الانتداب مؤسسات جديدة في الصحة والتعليم والشرطة والتخطيط، لكن هذه المؤسسات كانت جزءًا من نظام استعماري له أولوياته السياسية. ازداد التعليم والإدارة الحديثة، وفي الوقت نفسه واجه الفلسطينيون مشروعًا صهيونيًا يتوسع بدعم نصوص الانتداب وسياسات الهجرة وشراء الأراضي على مستوى البلاد. لذلك لا يمكن فصل التحسن في بعض الخدمات عن الصراع على السيادة ومستقبل فلسطين. في غزة كما في مدن أخرى، أصبح الناس يتعاملون يوميًا مع الإدارة البريطانية ويشاركون في الوقت نفسه في حركة سياسية عربية فلسطينية تنتقد بنية الانتداب نفسها.
الزراعة والتجارة والتعليم والثقافة
استند اقتصاد غزة في سنوات الانتداب إلى المدينة وإلى منطقة زراعية واسعة حولها. الأسواق استقبلت الحبوب والخضروات والفواكه ومنتجات الحيوان، والتجار ربطوا المنتجين بمراكز فلسطينية أخرى. تحسن النقل البري تدريجيًا، وأصبحت الشاحنات والحافلات أكثر حضورًا إلى جانب وسائل أقدم. هذه التغيرات أثرت في التجار الصغار وفي القرى؛ سرعة نقل المحصول قد تزيد فرص البيع لكنها تربط المنتج كذلك بتقلب أسعار أوسع. كما أن الضرائب والديون وملكية الأرض ظلت قضايا أساسية لا تختفي لمجرد ظهور سيارة أو طريق معبد.
في المجال الاجتماعي اتسعت المدارس وتزايد عدد المتعلمين والموظفين، وظهرت جمعيات ونوادٍ وأنشطة عامة. لم تكن غزة معزولة عن الصحافة الفلسطينية؛ أخبار القدس ويافا والثورة والإضرابات تصل إليها، كما يرسل أهلها البرقيات والوفود ويشاركون في المؤتمرات. الثقافة هنا ليست فقط أدبًا منشورًا، بل أيضًا أنماط اللباس والمطبخ والموسيقى والمناسبات الدينية والعائلية وأساليب استخدام السوق والبيت. هذه العناصر عادة ما تغيب عن التقارير الرسمية، ولذلك يعتمد تاريخ المجتمع على مذكرات وصور وشهادات ومقابلات إلى جانب الوثيقة الإدارية.
شهدت الثلاثينيات توترًا سياسيًا متزايدًا على مستوى فلسطين. الإضراب العام سنة 1936 والثورة المسلحة بين 1936 و1939 تركا أثرًا في غزة ومنطقتها، سواء عبر النشاط السياسي أو إضراب التجارة أو تحرك المقاتلين والشرطة البريطانية. ردت السلطة بإجراءات أمنية واعتقالات وعقوبات وتوسيع الرقابة. لا ينبغي تصور المجتمع كتلة واحدة؛ بعض العائلات كانت أكثر انخراطًا من غيرها، والمصالح الاقتصادية قد تدفع إلى مواقف مختلفة، والانقسام بين تيارات القيادة الفلسطينية كان حاضرًا. رغم ذلك رسخت هذه السنوات إحساسًا بأن مصير المدينة مرتبط بالصراع الوطني العام لا بإدارة محلية منفصلة.
الحرب العالمية الثانية وما قبل 1948
خلال الحرب العالمية الثانية تغيرت أسواق فلسطين مرة أخرى بسبب طلب الجيش البريطاني والقيود على الاستيراد وتحولات الأسعار والعمل. غزة بعيدة نسبيًا عن جبهات القتال المباشر مقارنة بعام 1917، لكنها جزء من اقتصاد حرب إقليمي يمتد من مصر إلى بلاد الشام. وفرت المشاريع العسكرية والعمل فرصًا للبعض، بينما عانى آخرون من التضخم ونقص سلع. بعد الحرب عاد سؤال المستقبل السياسي بقوة أكبر، خصوصًا مع تصاعد الهجرة اليهودية والصدام بين الحركة الصهيونية وبريطانيا وتزايد الضغوط الدولية لإنهاء الانتداب.
بحلول 1947 كانت غزة مدينة عربية فلسطينية ذات مؤسسات وذاكرة عمرانية أعيد بناؤها خلال ثلاثة عقود. قرار الأمم المتحدة بالتقسيم وضع المدينة ضمن الدولة العربية المقترحة، لكن الحرب التي تلت القرار ثم انسحاب بريطانيا في مايو 1948 لم تسر وفق الخريطة الدولية. وصلت إلى غزة موجات من اللاجئين الفلسطينيين من يافا ومدن وقرى الساحل والجنوب خلال الحرب، وتغير حجم السكان وتركيبهم بسرعة. هذه المرحلة هي بداية تاريخ جديد للمدينة والقطاع، ولذلك يكتفي المقال بالإشارة إليها بوصفها نهاية حقبة الانتداب لا محاولة لشرح كل ما حدث بعدها.
المهم عند الوصول إلى 1948 هو رؤية الاستمرارية والقطيعة معًا. غزة التي واجهت حرب 1948 لم تكن مجرد موقع على خريطة عسكرية؛ كانت مجتمعًا عاش خبرة الإخلاء والدمار سنة 1917 ثم بنى مؤسسات وحياة اقتصادية جديدة. الذاكرة المحلية للحرب العالمية الأولى ظلت حاضرة عند أجيال شهدت حربًا أخرى بعد ثلاثين عامًا فقط. قراءة الفترتين معًا تمنع عزل الأحداث: الطرق والجغرافيا والإمبراطوريات والحدود والأسواق كلها تغيرت، لكن المدنيين ظلوا يدفعون الكلفة الأكبر عندما تتحول المدينة إلى جبهة.
من السوق إلى البيت: كيف عاش الغزّيون التحولات الكبرى؟
إذا أردنا أن نرى غزة بعيدًا عن الخرائط العسكرية، فعلينا متابعة يوم عادي يبدأ قبل شروق الشمس. يدخل مزارع من قرية قريبة ومعه حبوب أو خضروات، ويتحرك بائع في السوق بين الدكاكين، ويحسب تاجر أسعار المحصول وتكلفة نقله، بينما يذهب طفل إلى مدرسة ويزور مريض طبيبًا أو مؤسسة خيرية. كانت المدينة تعمل لأن آلاف القرارات الصغيرة تتكرر كل يوم. عندما تتغير الطريق أو يرتفع ثمن الدقيق أو يُصادر حيوان للنقل العسكري، لا يبدو الأمر حدثًا سياسيًا كبيرًا في الوثائق، لكنه قد يقلب ميزانية أسرة كاملة. لهذا يركز التاريخ الاجتماعي على الأسعار والعمل والغذاء والسكن بقدر تركيزه على الوالي والقائد والجيش. ومن خلال هذه الزاوية تصبح الحرب العالمية الأولى واضحة بوصفها سلسلة من الانقطاعات في الحياة اليومية، لا مجرد ثلاث معارك حول غزة.
النساء حاضرات في هذا التاريخ حتى عندما تكون الوثائق الرسمية أقل اهتمامًا بأسمائهن. إدارة البيت، إعداد الطعام وحفظه، جلب الماء، العناية بالأطفال والمرضى، المساهمة في الحقول أو في أعمال أسرية، والتعامل مع فترات غياب الرجال بسبب التجنيد أو السفر كلها وظائف اجتماعية واقتصادية. خلال الإخلاء سنة 1917 كانت العائلة تحتاج إلى قرار سريع حول ما يمكن حمله وما يجب تركه، وأين يمكن الإقامة، وكيف تُحفظ الصلات بالأقارب. هذه الخبرة لا تظهر عادة في تقرير عسكري يذكر انسحاب وحدة أو سقوط موقع. لذلك فإن شهادات العائلات والذاكرة الشفوية، حين تُقارن بالمصادر المكتوبة ولا تُستخدم وحدها، تستطيع أن تعيد إلى الحرب وجوه المدنيين الذين عاشوها.
الماء والنظافة والصحة قضايا مركزية كذلك. مدينة تنمو وتستقبل سكانًا من الريف تحتاج إلى آبار وصيانة طرق وتصريف نفايات ومراقبة أسواق الغذاء. البلديات في أواخر العهد العثماني ثم زمن الانتداب حاولت تنظيم هذه المسائل بإمكانات متفاوتة، وأصبحت الصحة العامة جزءًا من فكرة الدولة الحديثة. لكن القرارات لا تصل إلى كل حي بالمستوى نفسه، كما أن الفقر يضاعف أثر المرض. في سنوات الحرب أو الوباء يمكن لانقطاع التجارة أن يقلل الدواء والغذاء في الوقت نفسه. وتساعد تقارير الصحة والبلدية، رغم لغتها البيروقراطية، على معرفة ما كانت الإدارة تعتبره خطرًا وما كانت قادرة فعلًا على تمويله.
بعد 1917 أعادت عودة السكان إنتاج المدينة عبر العمل اليومي قبل أن تكون هناك مشاريع رسمية كاملة. إصلاح سقف أو متجر، فتح فرن، استعادة قطعة أرض، العثور على أدوات، إعادة طفل إلى المدرسة، وترتيب دين قديم كلها خطوات صغيرة في إعادة الإعمار. بعض البيوت احتاج إلى بناء جديد، وبعض العائلات لم تعد إلى الوضع الاقتصادي السابق. لهذا فإن كلمة «إعادة البناء» يجب ألا توحي بأن سلطة واحدة أعادت المدينة دفعة واحدة؛ هي عملية اجتماعية شاركت فيها الأسر والبلدية والتجار والمؤسسات الدينية والخيرية والإدارة البريطانية، ولكل طرف موارد وأهداف مختلفة. ومن خلال مقارنة صور غزة بعد الحرب بصورها في الثلاثينيات يمكن رؤية كيف عاد النسيج العمراني إلى الامتلاء وتوسع مرة أخرى.
تنتقل الذاكرة بين الأجيال بطرق لا تقل أهمية عن الوثيقة. رجل عاش إخلاء 1917 قد يحكي لأبنائه أين ذهبوا وماذا فقدوا، وبيت أعيد بناؤه يحمل في مادته أثر الحرب حتى لو لم توجد لوحة تذكارية. وعندما جاء عام 1948 لم يكن سكان غزة يواجهون أول تجربة إقليمية للتهجير والعنف في حياتهم الحديثة؛ بعض العائلات كانت تحمل بالفعل ذاكرة الحرب العالمية الأولى. هذا لا يجعل الحدثين متشابهين في كل شيء، لكنه يبين كيف تتراكم الخبرات التاريخية داخل المجتمع. الأرشيف الجيد يحفظ هذه الطبقات بدل أن يجعل كل حرب تبدأ من الصفر، ويضع السوق والبيت والشارع إلى جانب الجبهة في القصة نفسها.
كيف نقرأ غزة من الصور والكتب والخرائط؟
أرشيف غزة موزع بين مصادر كثيرة. مجموعة ماتسون في مكتبة الكونغرس تحتفظ بصور للمدينة والمسجد العمري والمناظر العامة ومواقع الحرب، وهي مفيدة لأنها تقدم ملفات عالية الدقة مع بيانات تاريخ وحقوق. لكن عناوين بعض الصور القديمة قد تكون عامة أو أضيفت لاحقًا، بل إن مكتبة الكونغرس نفسها تنبه أحيانًا إلى أخطاء في تعليقات سالفة. لذلك جرى ربط كل صورة هنا بسجلها الأصلي بدل إعادة نشر وصف متداول بلا مراجعة. المصدر الأرشيفي الجيد ليس صورة جميلة فقط، بل صورة يمكن تتبع أصلها ووصفها وتاريخها.
أما السرد الاجتماعي فيعتمد على دراسات مثل كتاب أباهر السقا ومقال دوتان هاليفي ودراسات حملة 1917. الجمع بينها ضروري لأن لكل مصدر زاوية مختلفة: التاريخ العسكري يشرح حركة الجيوش وأسباب نجاح الهجوم أو فشله، بينما التاريخ الاجتماعي يسأل ماذا حدث للسكان والأسواق والبيوت. تقارير الانتداب توثق مدارس وضرائب ومؤسسات، لكنها تحمل لغة الإدارة الاستعمارية وأولوياتها. المذكرات والروايات الشفوية تمنح صوتًا فرديًا أقرب، لكنها تتأثر بالذاكرة والزمن. المقارنة بين الأنواع هي التي تنتج صورة أكثر ثقة.
الهدف من هذا الأرشيف ليس تحويل الماضي إلى قائمة من التواريخ، بل تمكين القارئ من فحص الأدلة. لذلك أُدرجت روابط مباشرة إلى مكتبة الكونغرس ومؤسسة الدراسات الفلسطينية وموسوعة 1914–1918 ومواد بحثية وأفلام أرشيفية. عندما تختلف التقديرات أو السرديات، ينبغي إظهار الاختلاف بدل دفنه. غزة مدينة ذات تاريخ طويل ومعقد، وأفضل حماية لهذا التاريخ ليست المبالغة فيه، بل بناء رواية يمكن للقارئ العودة من خلالها إلى الوثيقة والصورة والبحث الأكاديمي، ثم تكوين حكمه على أساس مادة قابلة للتحقق.
فيديوهات موثوقة للسياق التاريخي
اخترنا المواد المرئية أدناه لأنها متاحة حاليًا على قنوات معروفة أو أرشيفية وتقدّم سياقًا بصريًا يساعد على قراءة الوثائق والصور. تبقى المصادر المكتوبة والأرشيفية في أسفل الصفحة المرجع الأساسي للتحقق من التفاصيل.
The Great War — قناة موثقة
معركة غزة 1917: حملة فلسطين في الحرب العالمية الأولى
وثائقي حديث يعتمد مراجع عسكرية وأكاديمية ويشرح معارك غزة الثلاث وخط غزة–بئر السبع ضمن حملة 1917. القناة تذكر مصادرها وتوضح أن المادة البصرية التاريخية أصلية.
British Pathé
فلسطين سنة 1946: لقطات من أواخر الانتداب
فيلم أخبار أرشيفي بريطاني من أواخر عهد الانتداب. يُستخدم هنا بوصفه وثيقة بصرية من زمنه، مع ضرورة قراءة لغته السياسية باعتبارها نتاج مؤسسة أخبار بريطانية.
معرض صور أرشيفية حقيقية
جميع الصور في هذا المعرض مرتبطة بصفحات مصدر أرشيفية أو بملفات موثقة في ويكيميديا كومنز، ويعود عدد كبير منها إلى مجموعة ماتسون في مكتبة الكونغرس. أُدرج رابط المصدر مع كل صورة كي يمكن فحص الوصف والتاريخ وبيانات الحقوق.

صورة أرشيفية
مدينة غزة قبل 1948
منظر عام لمدينة غزة من مجموعة ماتسون، مؤرخ ضمن المدى 1898–1946، يوضح الكتلة العمرانية والامتداد المحيط بها.
المصدر
صورة أرشيفية
المسجد العمري الكبير من الشرق
صورة بين 1917 و1925 للمسجد العمري الكبير، أحد أهم معالم المدينة التاريخية، في السنوات القريبة من دمار الحرب وإعادة البناء.
المصدر
صورة أرشيفية
مسجد ومئذنة في غزة
صورة من مجموعة ماتسون تعود إلى أربعينيات القرن العشرين وتوثق المئذنة والنسيج المبني في المدينة.
المصدر
صورة أرشيفية
غزة من الغرب
منظر أرشيفي للمدينة من جهة الغرب، يتيح مقارنة العمران بمشاهد أخرى التقطت من الشرق وفي فترات متقاربة.
المصدر
صورة أرشيفية
غزة من الشرق
مشهد من جهة الشرق من مجموعة ماتسون؛ يفيد في قراءة علاقة المدينة بالطرق والحقول المحيطة.
المصدر
صورة أرشيفية
دبابة معطلة قرب غزة في الحرب العالمية الأولى
توثيق بصري للمعدات والقتال الذي دار حول غزة في حملة 1917، ويذكر السجل الأصلي بيانات المجموعة والحقوق.
المصدر
صورة أرشيفية
الجزء المركزي من غزة
صورة أرشيفية للنسيج الحضري في غزة من مجموعة ماتسون، تساعد على رؤية المدينة بوصفها مجتمعًا عمرانيًا لا مجرد جبهة حرب.
المصدر
صورة أرشيفية
احتفالات إسلامية في غزة سنة 1943
لقطة من الحياة العامة في المدينة خلال الحرب العالمية الثانية، وتكشف جانبًا اجتماعيًا يندر ظهوره في الصور العسكرية.
المصدرالمصادر والمراجع
بُني هذا المقال على مراجع أرشيفية ومؤسسات بحثية ومصادر أولية أو مجموعات رقمية يمكن الرجوع إليها. الروابط أدناه مقصودة للقراءة المتعمقة، وللتأكد من التواريخ والصور والسياقات الواردة في النص.
التاريخ هنا قابل للتحقق والتوسّع.
اعتمدت الصفحة على أبحاث أكاديمية ودراسات من مؤسسة الدراسات الفلسطينية وموسوعة أكاديمية للحرب العالمية الأولى وسجلات مكتبة الكونغرس. أُدرجت الصور بروابط سجلاتها الأصلية، وتُعرض أفلام الأخبار باعتبارها مصادر من زمنها لا روايات محايدة تلقائيًا. عند اختلاف تقديرات الخسائر أو أعداد المهجرين في 1917 تجنبت الصفحة تثبيت رقم غير متفق عليه، وركزت على الوقائع التي يمكن تتبعها عبر أكثر من مصدر.