العودة إلى الرئيسية

15 أغسطس 2026فريق البحث التاريخيقراءة معمقة — 35+ دقيقة

الانتداب البريطاني والحركة الوطنية

الثورة الفلسطينية الكبرى
1936–1939

ثلاث سنوات أعادت تشكيل السياسة والمجتمع في فلسطين: بدأت بإضراب عام واسع، ثم تحولت إلى تمرد مسلح ضد الحكم البريطاني وسياساته، وانتهت بعد حملة قمع ثقيلة وتركت المجتمع الفلسطيني منهكًا عشية تحولات الأربعينيات.

تجمع عربي في أبو غوش خلال اضطرابات فلسطين سنة 1936، من مجموعة ماتسون في مكتبة الكونغرس

الفترة

1936–1939

مرحلة متصلة بدأت بإضراب سياسي واقتصادي ثم اتخذت طابعًا مسلحًا واسعًا في الريف والمدن.

الإضراب

نحو 6 أشهر

استمر الإضراب العام من ربيع 1936 حتى أكتوبر تقريبًا، وكان من أطول الإضرابات السياسية في تاريخ المنطقة آنذاك.

لجنة بيل

1937

أوصت اللجنة الملكية البريطانية لأول مرة رسميًا بتقسيم فلسطين بعد بحث أسباب الأزمة.

الكتاب الأبيض

1939

غيّر السياسة البريطانية المعلنة بشأن الهجرة اليهودية والأرض ووعد بدولة مستقلة خلال عشر سنوات ضمن شروط محددة.

مدخل

لماذا تعد ثورة 1936–1939 منعطفًا تاريخيًا؟

تحتل الثورة الفلسطينية الكبرى مكانة مركزية في تاريخ فلسطين الحديث لأنها جمعت في زمن واحد بين العصيان المدني والإضراب الاقتصادي والتنظيم السياسي والتمرد المسلح. لم تكن حادثة منفردة أو انفجارًا محليًا قصيرًا، بل أزمة ممتدة هزت نظام الانتداب البريطاني وأجبرت لندن على إرسال قوات إضافية وتشكيل لجنة ملكية لبحث جذور الصراع. كما كشفت عن عمق القلق العربي الفلسطيني من السياسة البريطانية ومن تسارع الهجرة اليهودية وشراء الأراضي في سياق المشروع الصهيوني، وعن شعور واسع بأن المؤسسات الدستورية التي طالب بها الفلسطينيون لم تُمنح لهم بالشكل الذي كانوا يريدونه.

تبدأ كثير من الروايات الشعبية بالربيع 1936، لكن أسباب الثورة تراكمت خلال سنوات سابقة. كانت فلسطين منذ أوائل العشرينيات محكومة بموجب الانتداب البريطاني الذي أقرته عصبة الأمم، وتضمن تنفيذ التزامات مرتبطة بتصريح بلفور بشأن إقامة وطن قومي لليهود مع النص على عدم الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للسكان غير اليهود. بالنسبة إلى قطاعات واسعة من العرب الفلسطينيين، بدا هذا النظام غير متوازن لأن الأغلبية العربية لم تحصل على استقلال أو حكومة وطنية تمثيلية، بينما كانت الهجرة والمؤسسات الاقتصادية والسياسية اليهودية تتسع ضمن حماية قانونية بريطانية.

أهمية الثورة لا تقتصر على سنوات القتال نفسها. فقد أدت الحملات العسكرية والاعتقالات والنفي والخسائر والاقتتال الداخلي إلى إضعاف شبكات القيادة والتنظيم الفلسطيني. وعندما دخلت البلاد مرحلة الحرب العالمية الثانية ثم أزمة 1947–1948، كان كثير من القادة قد قُتلوا أو سُجنوا أو نُفوا، وكانت البنية السياسية قد تعرضت لضربة كبيرة. لذلك يرى مؤرخون أن فهم 1948 يتطلب العودة إلى الثلاثينيات، لا باعتبار الثورة سببًا وحيدًا لما تلاها، بل باعتبارها مرحلة أعادت توزيع القوة وكسرت مؤسسات وولدت خبرات سياسية وعسكرية جديدة.

كما أن الثورة تسمح بقراءة فلسطين خارج لغة النخب وحدها. فالفلاحون والعمال وأصحاب المتاجر وسائقو المركبات والنساء والطلاب ورجال الدين والموظفون شاركوا بطرق مختلفة. بعضهم أضرب، وبعضهم جمع الأموال أو الطعام، وبعضهم حمل السلاح، وبعضهم اضطر للتعامل يوميًا مع الحواجز وحظر التجول ومداهمات الجيش. والوثائق البريطانية والصحف العربية والصور الفوتوغرافية والمذكرات الشفهية تكشف تفاوت التجارب بين المدن والقرى، وبين من أيّدوا الثورة ومن خافوا آثارها أو اختلفوا مع قياداتها.

الجذور

الانتداب بعد الحرب العالمية الأولى

دخلت القوات البريطانية القدس في ديسمبر 1917، ثم انتقلت فلسطين من الإدارة العسكرية إلى إدارة مدنية في 1920 قبل تثبيت الانتداب دوليًا. خلال هذه السنوات تبلورت مؤسسات جديدة: دوائر حكومية، شرطة، محاكم، شبكات طرق وسكك، ونظام هجرة وأراضٍ جديد نسبيًا. في المقابل ظهرت مؤتمرات وجمعيات وأحزاب فلسطينية تطالب بحكومة تمثيلية ووقف السياسات التي اعتبرتها مؤيدة للصهيونية. رفضت لندن لفترة طويلة منح مجلس تشريعي على أساس الأغلبية إذا كان من شأنه تعطيل الالتزامات الواردة في صك الانتداب، وهو ما جعل الخلاف السياسي بنيويًا وليس مجرد نزاع حول حادثة محددة.

شهدت عشرينيات القرن سلسلة من التوترات العنيفة، منها أحداث 1920 و1921 و1929. أنشأت الحكومة لجان تحقيق عدة، وناقشت تقاريرها العلاقة بين الهجرة والأرض والبطالة والخوف السياسي. لم تتطابق استنتاجات تلك اللجان دائمًا، كما تغيرت السياسات الحكومية مع تغير الوزراء والضغوط في لندن وفلسطين. إلا أن مشكلة أساسية بقيت: الحركة الصهيونية رأت الانتداب إطارًا دوليًا يسمح ببناء الوطن القومي اليهودي، بينما رأى العرب الفلسطينيون أن حق تقرير المصير للأغلبية المحلية يُؤجل أو يُقيد لصالح مشروع لم يوافقوا عليه.

في الثلاثينيات ازدادت الهجرة اليهودية، ولا سيما بعد صعود النازية والاضطهاد المعادي لليهود في أوروبا. كان الهاربون من الاضطهاد ينظرون إلى فلسطين بوصفها ملاذًا ومشروعًا قوميًا، بينما رأى كثير من الفلسطينيين في ارتفاع الأعداد تحولًا ديموغرافيًا وسياسيًا يهدد مستقبلهم. هذه حقيقتان تاريخيتان متزامنتان: أزمة يهود أوروبا كانت حقيقية ومتفاقمة، والرفض الفلسطيني لتحويل بلادهم سياسيًا وديموغرافيًا كان حقيقيًا أيضًا. فهم الثورة يتطلب إبقاء التجربتين في الصورة من دون اختزالهما في تفسير واحد.

أما قضية الأرض فكانت شديدة الحساسية. عمليات البيع جرت ضمن أطر قانونية مختلفة، واشترت مؤسسات وأفراد يهود أراضي من مالكين محليين أو غائبين، وأدت بعض الصفقات إلى إخلاء مستأجرين وفلاحين عرب أو تغيير استخدام الأرض والعمل فيها. لم تكن كل الحالات متماثلة، لكن تراكمها كان مادة دائمة في الصحافة الفلسطينية والخطاب السياسي. ومع البطالة والضرائب وأزمة الاقتصاد العالمي، صار السؤال الاقتصادي مرتبطًا مباشرة بسؤال السيادة: من يقرر الهجرة؟ من يملك الأرض؟ ومن يحدد مستقبل الحكم؟

قبل الانفجار

عز الدين القسام ونهاية 1935

كان الشيخ عز الدين القسام، وهو رجل دين وناشط سوري الأصل استقر في حيفا، من الشخصيات التي ربطت الوعظ الديني بالعمل الاجتماعي والتنظيم السري المناهض للانتداب والصهيونية. عمل بين فئات فقيرة وعمال ومهاجرين ريفيين، ودعا إلى مقاومة مسلحة في وقت كانت معظم القيادات السياسية الفلسطينية تركز على الوفود والعرائض والمؤتمرات. لم يكن القسام قائد الثورة الكبرى نفسها لأنه قُتل قبل اندلاعها، لكنه أصبح رمزًا قويًا لفكرة الانتقال من الاحتجاج السياسي إلى السلاح.

في نوفمبر 1935 تحرك القسام مع مجموعة صغيرة في منطقة جنين، واشتبكت مجموعته مع الشرطة البريطانية. قُتل القسام وعدد من رفاقه، وتحولت جنازته في حيفا إلى حدث جماهيري. أعطت وفاته معنى جديدًا لفكرة التضحية وأظهرت غضب شرائح لم تعد تثق بفاعلية المفاوضات التقليدية. في الأشهر التالية بقيت شبكات من رفاقه وأنصاره حاضرة في الشمال، وساهم بعضهم لاحقًا في الانتفاض المسلح.

لا ينبغي مع ذلك تصوير الثورة كامتداد مباشر وبسيط لتنظيم القسام. ففي 1936 دخلت قوى اجتماعية وسياسية أوسع بكثير، من اللجان القومية المحلية إلى الأحزاب والزعامات التقليدية والعمال والفلاحين. كان إرث القسام أحد العناصر، لا العنصر الوحيد. كما اختلف قادة الميدان في مناطق جنين ونابلس وطولكرم والجليل والقدس في علاقاتهم بالقيادة السياسية وفي تكتيكاتهم وأولوياتهم.

تكمن أهمية 1935 في أنها أظهرت أن العنف السياسي لم يعد احتمالًا هامشيًا. كانت السلطات البريطانية تراقب تهريب السلاح والتنظيمات اليهودية والعربية على السواء، وكانت الصحافة تناقش اكتشاف شحنات أسلحة والخوف من المستقبل. عندما وقعت حوادث قتل متبادلة على الطرق في أبريل 1936، جاء الانفجار في بيئة مشحونة أصلًا، ولهذا انتشر الاحتجاج بسرعة بدل أن يبقى أزمة أمنية محدودة.

البداية

أبريل 1936: من العنف المحلي إلى إضراب عام

في أبريل 1936 وقعت سلسلة من حوادث القتل والهجمات المتبادلة بين عرب ويهود في منطقة الطريق بين نابلس وطولكرم ويافا، وتصاعد التوتر بسرعة. في نابلس تشكلت لجنة قومية دعت إلى الإضراب، ثم انتقلت الدعوة إلى مدن أخرى. أغلقت متاجر وأعمال وتوقفت قطاعات من النقل، وأصبح الإضراب خلال أيام أداة سياسية وطنية. لم يكن الهدف مجرد الاحتجاج على حادثة بعينها، بل الضغط من أجل وقف الهجرة اليهودية، ومنع انتقال الأراضي، وإنشاء حكومة وطنية تمثيلية.

تشكلت لجان قومية في المدن والبلدات لتنسيق النشاط وجمع الأموال ونشر التعليمات. وفي أواخر أبريل تأسست اللجنة العربية العليا برئاسة الحاج أمين الحسيني، وضمت ممثلين عن أحزاب واتجاهات مختلفة. وفرت هذه البنية مظلة سياسية للإضراب لكنها لم تلغِ المنافسات بين العائلات والأحزاب. كثير من المبادرات انطلقت من القاعدة المحلية قبل أن تتبناها القيادة المركزية، وهو ما يفسر كيف احتفظت اللجان بقدر من الاستقلال طوال الأزمة.

أصبح الإضراب اختبارًا اقتصاديًا شديدًا. في المدن الساحلية والموانئ والنقل البري، حاول المشاركون تعطيل النشاط التجاري للضغط على الحكومة. في الوقت نفسه تحمل العمال وصغار التجار خسارة الدخل، واضطرت شبكات التكافل إلى جمع تبرعات وإعانات. بعض المؤسسات اليهودية طورت بدائل للنقل والعمل والموانئ، ومن بينها توسيع استخدام ميناء تل أبيب، وهو أثر طويل المدى لم يكن منظمو الإضراب يقصدونه بالضرورة.

ردت السلطات باعتقالات وقيود على الصحافة وحظر للتجول وعقوبات جماعية في بعض المناطق، لكنها حاولت أيضًا إبقاء باب التفاوض مفتوحًا. أرسلت وفود وتدخلت حكومات عربية مجاورة، خصوصًا ملوك وأمراء كانت لهم علاقات ببريطانيا. في أكتوبر 1936 دعا قادة عرب إقليميون الفلسطينيين إلى إنهاء الإضراب انتظارًا للجنة تحقيق بريطانية. انتهى الإضراب بعد نحو ستة أشهر، لكن جذور الأزمة بقيت، وبعد أقل من عام دخلت الثورة مرحلة أشد عنفًا.

المجتمع

كيف عاش الناس الإضراب؟

تختلف صورة الإضراب إذا نُظر إليها من الشارع لا من بيانات الأحزاب. صاحب متجر في نابلس كان يقرر كل صباح هل يفتح ويخاطر باتهامه بكسر الإضراب، أم يبقى مغلقًا ويخسر دخله. سائق شاحنة أو حافلة كان يواجه أوامر اللجان من جهة وحاجة عائلته إلى المال من جهة أخرى. الفلاح الذي ينقل محصوله إلى السوق كان مضطرًا للتعامل مع نقاط تفتيش ومشكلات النقل. لذلك كان الالتزام بالإضراب مزيجًا من القناعة والضغط الاجتماعي والخوف والمصلحة، وليس موقفًا واحدًا متطابقًا عند الجميع.

شاركت النساء في حملات جمع التبرعات والإغاثة والاتصالات وتنظيم الاجتماعات، وكانت الحركة النسائية الفلسطينية قد بدأت منذ أواخر العشرينيات ببناء جمعيات وشبكات عابرة للمدن. ساهمت هذه الخبرة في توفير قنوات دعم للعائلات المتضررة وللمعتقلين. بعض النساء حملن رسائل أو غذاء أو دواء إلى المقاتلين في الريف، وتذكر الروايات الشفهية أدوارًا يصعب أحيانًا توثيقها بالوثائق الرسمية لأن الإدارة الاستعمارية كانت تسجل الرجال المسلحين أكثر مما تسجل العمل الاجتماعي غير الرسمي.

أصبحت المساجد والكنائس والنوادي والمقاهي والصحف فضاءات للنقاش والتعبئة. استخدمت الخطب والبيانات لغة قومية ودينية واقتصادية متداخلة. ولم تكن المشاركة محصورة في المسلمين؛ كان مسيحيون فلسطينيون ناشطين في الأحزاب والصحافة واللجان الوطنية، ما يعكس طابعًا وطنيًا عامًا للحركة السياسية رغم حضور الرموز الدينية بقوة. كما لعب الطلاب والشباب المتعلمون دورًا في نشر المنشورات وتنظيم المظاهرات.

في المقابل لم يكن المجتمع موحدًا بلا خلافات. توجد في المصادر شكاوى من فرض الإتاوات ومن التهديد ضد من لا يلتزم، كما ظهرت تنافسات محلية بين عائلات وقرى وقادة. مع انتقال الثورة إلى العمل المسلح ازداد الضغط على المدنيين، ووجد بعضهم نفسه بين أوامر الثوار ومتطلبات السلطة البريطانية أو علاقاته الاقتصادية. هذه التناقضات لا تنفي اتساع الحركة؛ بل تساعد على فهم كيف يمكن لثورة جماهيرية أن تجمع الالتزام الطوعي والقسر والفوضى في الوقت نفسه.

1937

لجنة بيل وفكرة التقسيم

وصلت اللجنة الملكية برئاسة اللورد بيل إلى فلسطين في أواخر 1936 واستمعت إلى مسؤولين وممثلين عن الحركة الصهيونية وشخصيات عربية، مع مقاطعات واعتراضات في بعض المراحل. حاول التقرير تفسير سبب فشل الانتداب في التوفيق بين التزاماته المتعارضة. خلصت اللجنة إلى وجود قوميتين تحملان تطلعات غير قابلة للتسوية بسهولة داخل الإطار القائم، واقترحت في 1937 إنهاء الانتداب وتقسيم البلاد إلى كيانين مع منطقة تخضع لترتيبات بريطانية خاصة تشمل القدس وممرًا إلى الساحل.

كان الاقتراح أول تبنٍ رسمي بريطاني واضح لفكرة التقسيم. ناقشت القيادة الصهيونية الخطة بجدل داخلي ورأت فيها بعض القيادات أساسًا قابلًا للتفاوض رغم اعتراضها على الحدود، بينما رفضتها الهيئات العربية الفلسطينية رفضًا واسعًا لأنها اعتبرت أن أغلبية السكان لا ينبغي أن تُجبر على التنازل عن جزء من البلاد لإقامة دولة مرتبطة بالهجرة الحديثة. وتضمن التقرير نقاشًا لفكرة نقل السكان في بعض المناطق، وهو ما زاد المخاوف العربية.

لم تُنفذ خريطة بيل، وشكلت بريطانيا لاحقًا لجنة وودهيد التي رأت صعوبات مالية وديموغرافية كبيرة في خطط التقسيم المقترحة. لكن أثر التقرير كان عميقًا لأنه أدخل التقسيم رسميًا إلى قاموس السياسة الدولية بشأن فلسطين قبل عقد من قرار الأمم المتحدة 181. كما كشف للفلسطينيين أن لجنة التحقيق لم تؤدِ إلى الاستقلال الذي طالبوا به، بل إلى اقتراح تقسيم، وهو ما ساهم في تجدد الغضب.

بعد التقرير تصاعد التوتر، وفي سبتمبر 1937 اغتيل لويس أندروز، حاكم لواء الجليل البريطاني، في الناصرة. ردت الحكومة بحظر اللجنة العربية العليا وتنظيمات سياسية أخرى، واعتقلت أو أبعدت قادة إلى جزر سيشل، بينما فر آخرون خارج البلاد. أدى تفكيك القيادة القانونية إلى تحويل مركز الثقل أكثر نحو الميدان والريف، وبدأت المرحلة الثانية من الثورة على نطاق أوسع.

1937–1939

المرحلة المسلحة واتساع جغرافيا التمرد

من أواخر 1937 وخلال 1938 أصبحت مناطق واسعة من جبال نابلس والجليل والقدس والخليل مسرحًا لعمليات مسلحة. تشكلت مجموعات بقيادات محلية، وكان من أبرز الأسماء عبد الرحيم الحاج محمد وعارف عبد الرازق ويوسف أبو درة وغيرهم. لم يكن هناك جيش فلسطيني موحد ذو قيادة مركزية ثابتة، بل شبكة فصائل تتحرك في الريف وتستفيد من تضاريس الجبال والقرى ومن الدعم المحلي بدرجات متفاوتة.

استهدفت الفصائل طرقًا وخطوط سكك واتصالات ومراكز شرطة ومصالح بريطانية، ووقعت أيضًا هجمات على مستوطنات ومدنيين يهود. وشهدت الفترة اغتيالات لشخصيات عربية اتهمت بالتعاون مع السلطة أو بمخالفة أوامر الثورة، ما أدى إلى دائرة من العنف الداخلي. من الضروري عند كتابة تاريخ هذه المرحلة التمييز بين مقاومة سلطة استعمارية من جهة، وبين الأفعال التي طالت مدنيين أو خصومًا سياسيين من جهة أخرى؛ فالمصادر تكشف كلا الجانبين.

في بعض الفترات فقدت الحكومة السيطرة الليلية الفعلية على طرق وقرى معينة، واضطرت إلى حماية القوافل وإعادة احتلال مواقع وتسيير دوريات كبيرة. حاول الثوار إنشاء محاكم محلية أو فرض جبايات وقواعد لباس وسلوك في بعض الأماكن، لكن درجة التنفيذ تفاوتت. هذا الوضع أعطى الثورة مظهر سلطة موازية مؤقتة، غير أن نقص السلاح والذخيرة والخلافات القيادية جعل الاستمرار صعبًا أمام إمبراطورية قادرة على زيادة قواتها واستخدام الطيران والاستخبارات والهندسة العسكرية.

ارتبط الميدان بحدود فلسطين أيضًا. عبر مقاتلون ومتطوعون وسلاح بين سوريا ولبنان وشرق الأردن، وحاولت السلطات البريطانية والفرنسية الحد من الحركة. شارك فوزي القاوقجي لفترة في 1936 مع متطوعين عرب، لكنه غادر بعد نهاية الإضراب. في المرحلة التالية ظل البعد الإقليمي مهمًا، لكن الحكومات العربية لم تدخل حربًا مباشرة ضد بريطانيا، وكانت حساباتها الدبلوماسية والعسكرية مختلفة عن رغبات كثير من الثوار.

القمع

الرد البريطاني: جيش وشرطة وعقوبات جماعية

واجهت بريطانيا الثورة بقوة متزايدة. أرسلت وحدات عسكرية إضافية، واستخدمت الطائرات للاستطلاع وأحيانًا للهجوم، وكثفت الدوريات والمداهمات. فرضت السلطات حظر التجول والغرامات الجماعية واعتقلت آلاف الأشخاص واحتجزت كثيرين إداريًا. كما هدمت منازل أو أجزاء من أحياء بذريعة الأمن أو فتح الطرق. في يافا سنة 1936 نفذت عمليات هدم واسعة في المدينة القديمة لفتح ممرات عسكرية عرفت في المصادر بمشروع أو عملية «المرساة»، وتركت أثرًا عمرانيًا واجتماعيًا طويلًا.

تظهر ملفات الأرشيف البريطاني صورًا قاسية لأساليب مكافحة التمرد: تفتيش القرى، احتجاز الرجال في ساحات عامة، مصادرة الممتلكات أو تدميرها، واستخدام إجراءات طوارئ واسعة. وثقت دراسات تاريخية حالات استخدام مدنيين كدروع أو رهائن على مركبات وقطارات في سياق الخوف من الألغام والعبوات، وهو جانب أصبح موضوعًا لبحوث حديثة في تاريخ الإمبراطورية. لا تعني الإشارة إلى هذه الممارسات أن كل وحدة بريطانية تصرفت بالطريقة نفسها، لكنها كانت جزءًا موثقًا من منظومة قمع استثنائية.

بُنيت حصون ومراكز شرطة محصنة ارتبط اسم كثير منها بتشارلز تيغارت، الضابط البريطاني الذي استُدعي لتطوير النظام الأمني. كما أُقيم سياج وحواجز على أجزاء من الحدود الشمالية للحد من التهريب والحركة. تعاونت السلطات مع قوات الشرطة النظامية ومع تشكيلات يهودية مساعدة، ومن بينها شرطة المستوطنات. ونشط أوردي وينغيت في تنظيم «فرق الليل الخاصة» التي ضمت جنودًا بريطانيين وأفرادًا يهودًا ونفذت عمليات هجومية ليلية، وهي تجربة تركت أثرًا في التفكير العسكري لاحقًا وأثارت انتقادات بسبب أساليبها.

كانت النتيجة اختلالًا واضحًا في ميزان القوة. يستطيع الثوار قطع طريق أو مهاجمة موقع ثم الانسحاب، لكن الجيش كان قادرًا على تطويق منطقة كاملة والبحث بيتًا بيتًا ومعاقبة قرية أو فرض غرامة ونقل وحدات بالقطار والشاحنات والطائرات. بمرور الوقت تحسنت شبكة الاستخبارات، واستخدمت السلطات مخبرين ومكافآت، كما استفادت من الانقسامات المحلية. وهكذا تحولت الثورة من موجة توسع في 1938 إلى معركة استنزاف أصعب بكثير في 1939.

الحياة اليومية

المدن والقرى تحت حالة الطوارئ

كان تأثير الثورة متفاوتًا جغرافيًا. في القدس ويافا وحيفا أثرت الإضرابات والقيود في التجارة والميناء والنقل، بينما كانت بعض مناطق الريف الجبلي أكثر تعرضًا للمداهمات والاشتباكات. الصور التي التقطها مصورو قسم الصور في المستعمرة الأميركية، والتي أصبحت لاحقًا جزءًا من مجموعة ماتسون في مكتبة الكونغرس، توثق جنودًا عند بوابات القدس وعمليات تفتيش ومنازل بعد المداهمات وتجمعات عربية ومواقع هدم. هذه الصور ليست محايدة تمامًا، لكنها مصدر بصري نادر لفهم شكل السلطة في الشارع.

في القرى كان التموين معضلة دائمة. المقاتلون يحتاجون إلى طعام ومأوى ومعلومات، والجيش يراقب الدعم ويعاقبه. عائلة واحدة قد يكون لها ابن في الفصيل وقريب يعمل في وظيفة حكومية، ما يجعل الحدود السياسية داخل المجتمع أكثر تعقيدًا من التقسيمات البسيطة. بعض القرى دفعت غرامات أو فقدت مواشي ومحاصيل خلال عمليات التفتيش، وبعضها تعرض لتفجير بيوت مرتبطة بمشتبه بهم.

الاقتصاد الزراعي تأثر أيضًا بتعطل النقل وعدم اليقين. مواسم الزيتون والحبوب والحمضيات لا تنتظر انتهاء الأزمة السياسية، وكان على المنتجين الوصول إلى الأسواق والموانئ. بالنسبة إلى يافا خصوصًا، كان تصدير البرتقال قطاعًا اقتصاديًا دوليًا كبيرًا. الإضراب في الميناء دفع إلى تطوير بدائل، كما أن الظروف الأمنية أثرت في العمال والمزارعين والتجار العرب واليهود على السواء.

مع طول الصراع ظهر إرهاق واضح. بعض الناس الذين أيدوا الإضراب في بدايته أصبحوا أكثر حذرًا من عسكرة الحياة ومن العقوبات ومن الاغتيالات الداخلية. آخرون رأوا أن التراجع يعني قبول واقع سياسي يزداد سوءًا. هذا الانقسام بين تكلفة الاستمرار وخطر التراجع يفسر لماذا لم تنته الثورة بقرار واحد أو معركة فاصلة، بل تآكلت تدريجيًا تحت الضغط العسكري والانقسامات ونقص الموارد.

أدوار منسية

النساء وشبكات الإغاثة والاتصال

من السهل أن تختزل صور الثورة في رجال يحملون البنادق، لكن النشاط الوطني الفلسطيني كان قد عرف تنظيمًا نسائيًا منذ مؤتمر النساء العربيات في القدس سنة 1929 وما تلاه من جمعيات محلية. في 1936 وظفت ناشطات هذه الشبكات لجمع التبرعات وزيارة عائلات المعتقلين والمصابين، وتنظيم الاجتماعات وكتابة العرائض وإرسال الرسائل إلى الخارج. كان العمل السياسي النسائي جزءًا من المجال العام لا مجرد امتداد للبيت.

في الريف تظهر في الروايات الشفهية أدوار أقل رسمية: نقل الطعام والملابس، مراقبة حركة الدوريات، إخفاء الرسائل أو المصابين، وتأمين الاتصال بين القرى. يصعب قياس حجم هذه المشاركة بدقة لأن السجلات البريطانية ركزت على من اعتُبروا أهدافًا أمنية، ولأن كثيرًا من الأعمال لم يترك وثائق مكتوبة. لذلك يعتمد المؤرخ على الجمع بين الصحافة والمذكرات وشهادات العائلات ومراسلات الجمعيات.

كما تحملت النساء أعباء القمع الاقتصادي مباشرة. اعتقال أو اختفاء رب الأسرة يعني أن الزوجة أو الأم تضطر إلى إدارة الأرض أو المتجر أو تدبير الديون. تدمير منزل أو فرض غرامة جماعية ليس حدثًا عسكريًا فقط؛ إنه تغيير في بنية الأسرة والعمل. وقد جعلت هذه الخبرة السياسة جزءًا من تفاصيل الطعام والتعليم والسكن، لا موضوعًا منفصلًا يدور في مكاتب القادة.

تكشف دراسة النساء أيضًا حدود اللغة الوطنية في ذلك الزمن. كانت بعض الجمعيات تقودها نساء من أسر مدينية متعلمة، بينما كانت نساء الريف الأكثر فقرًا أقل ظهورًا في الوثائق. ومع ذلك كان اعتماد الحركة على شبكات القرابة والتموين يعني أن العمل غير المرئي كان أساسيًا. كتابة تاريخ شامل للثورة تتطلب إذن قراءة ما بين السطور: من طبخ، من عالج، من نقل الخبر، ومن أبقى الأسرة قائمة عندما كان الرجال غائبين أو مطاردين.

الانقسامات

القيادة والخصومات والعنف الداخلي

لم تكن الحركة الوطنية الفلسطينية كتلة واحدة. تنافست عائلات وأحزاب، وأشهر الانقسامات كان بين أنصار الحسينيين ومعارضيهم، ومن بينهم النشاشيبيون وشخصيات مرتبطة بحزب الدفاع الوطني. في بداية 1936 استطاعت اللجنة العربية العليا جمع طيف من القيادات، لكن تفكيكها البريطاني والنفي واشتداد القتال جعلا التنسيق أصعب. وفي الريف نشأت قيادات ميدانية تحظى بشرعية محلية لا تتطابق دائمًا مع قرارات السياسيين في الخارج.

مع اتساع الثورة أصبحت تهمة «التعاون» سلاحًا خطيرًا في الصراعات المحلية. قتل الثوار أشخاصًا اتهموهم بالتجسس أو ببيع الأرض أو بمساعدة الحكومة، وفي بعض الحالات اختلطت الدوافع السياسية بالثأر والخصومة. ورد خصوم الثورة بتشكيل جماعات مضادة عُرفت أحيانًا باسم «فصائل السلام»، وتعاون بعضها مع البريطانيين. هذه الحرب الداخلية أضعفت النسيج الاجتماعي وقدرة الحركة على الحفاظ على جبهة موحدة.

تحتاج هذه القضية إلى لغة دقيقة لأن أرشيف مكافحة التمرد نفسه كان له مصلحة في تضخيم صورة الانقسام، بينما تميل الذاكرة الوطنية أحيانًا إلى تقليلها. المقارنة بين التقارير البريطانية والصحف والمذكرات والبحوث الأكاديمية توضح أن الانقسام كان حقيقيًا ومؤثرًا، لكنه لم يُلغِ وجود قضية سياسية مشتركة واسعة. تستطيع حركة وطنية أن تكون واسعة وفي الوقت نفسه منقسمة على القيادة والوسائل.

بحلول 1939 أصبحت الخسائر في الكوادر كبيرة. قُتل قادة ميدانيون، وفر آخرون إلى الخارج، وأصبح الوصول إلى السلاح والمال أصعب. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية في أوروبا تغيرت أولويات بريطانيا والمنطقة. كان المجتمع الفلسطيني يدخل مرحلة جديدة وقد فقد قدرًا مهمًا من قدرته التنظيمية، وهي نتيجة ستظهر آثارها عندما عادت المواجهة السياسية والعسكرية إلى الذروة في النصف الثاني من الأربعينيات.

المشهد الموازي

المجتمع اليهودي والمؤسسات الصهيونية أثناء الثورة

في الطرف الآخر من الصراع كان «الييشوف»، أي المجتمع اليهودي في فلسطين، يملك مؤسسات سياسية واقتصادية وأمنية آخذة في التوسع. تعرض مدنيون وطرق ومزارع يهودية لهجمات خلال الثورة، ودفع ذلك إلى زيادة الحراسة والتحصين وتطوير أنظمة النقل والحماية. تعاونت الهاغاناه في بعض المجالات مع السلطات البريطانية، خصوصًا في الدفاع المحلي وجمع المعلومات، مع أنها بقيت منظمة منفصلة ولها أهدافها الخاصة.

كان الإضراب العربي فرصة وتحديًا اقتصاديًا للمؤسسات اليهودية. عندما تعطل ميناء يافا ساعدت بريطانيا على تشغيل رصيف في تل أبيب، ما عزز انفصال البنية الاقتصادية للمجتمعين. كذلك توسعت مشاريع العمل العبري والنقل والخدمات المستقلة. بهذه الطريقة ساهم الصراع في تعميق وجود اقتصادين وشبكتين اجتماعيتين متوازيتين بدل اندماجهما.

سياسيًا ناقشت الوكالة اليهودية لجنة بيل بجدية. بعض القادة رأوا أن الاعتراف بمبدأ دولة يهودية، حتى على مساحة محدودة، اختراق تاريخي يمكن البناء عليه، بينما اعترض آخرون على الحدود أو على التخلي عن أجزاء من البلاد التي اعتبروها ضمن أهداف الحركة الصهيونية. هذا الجدل يوضح أن خطة التقسيم لم تكن مقبولة ببساطة حتى داخل المجتمع اليهودي، لكنها فتحت إمكانًا لم يكن موجودًا رسميًا قبل 1937.

تجربة التعاون الأمني مع بريطانيا خلال الثورة تركت معرفة عسكرية وتنظيمية لدى بعض الوحدات اليهودية. يربط مؤرخون بين شرطة المستوطنات وفرق الليل الخاصة وتطور خبرات ستستفيد منها الهاغاناه لاحقًا. وفي المقابل خرج الفلسطينيون من القمع وقد دمرت أجزاء من شبكاتهم المسلحة والسياسية. هذا التفاوت في نتائج الثورة كان واحدًا من العوامل التي شكلت ميزان القوى في أواخر الأربعينيات.

1939

الكتاب الأبيض: تغيير بريطاني متأخر

بعد فشل خطط التقسيم في صورتها الأولى عقدت بريطانيا مؤتمر لندن في 1939 بمشاركة وفود عربية ويهودية في محادثات منفصلة إلى حد كبير. لم يُتوصل إلى اتفاق، فأصدرت الحكومة الكتاب الأبيض في مايو 1939. نصت السياسة الجديدة على تصور دولة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنوات يشترك فيها العرب واليهود، وعلى تحديد الهجرة اليهودية بخمسة وسبعين ألف شخص خلال خمس سنوات، ثم جعل أي هجرة إضافية مرتبطة بموافقة العرب، كما فرضت قيودًا على انتقال الأراضي في مناطق معينة.

رفضت الحركة الصهيونية الكتاب الأبيض وعدته تراجعًا عن التزامات بريطانيا في صك الانتداب، خصوصًا في لحظة كان يهود أوروبا يواجهون اضطهادًا نازيًا متزايدًا ويبحث كثيرون عن ملجأ. أما القيادة العربية الفلسطينية فوجدت بعض مطالبها في النص لكنها لم تقبله بصورته النهائية، جزئيًا بسبب عدم الثقة في الوعود البريطانية وبسبب شروط المرحلة الانتقالية وتركيبة الدولة المقترحة والانقسامات القيادية.

جاء الكتاب الأبيض في وقت كانت الثورة نفسها تتراجع عسكريًا. لذلك يصعب القول إنه كان «انتصارًا» مباشرًا أو «هزيمة» كاملة. لقد أظهر أن ثلاث سنوات من الأزمة دفعت بريطانيا إلى إعادة صياغة سياستها، لكنه جاء بعد ثمن بشري ومؤسسي هائل، وقبل أشهر من اندلاع الحرب العالمية الثانية التي قلبت كل الحسابات الدولية. كما أن بريطانيا لم تبق في فلسطين عشر سنوات أخرى لتنفذ تصورها كما كُتب؛ أنهت الانتداب في 1948.

من منظور تاريخي، يكشف الكتاب الأبيض مأزق الإمبراطورية: كانت لندن تحاول حماية طرقها ومصالحها الإقليمية والاستعداد للحرب في أوروبا، واحتاجت إلى علاقات أفضل مع الدول العربية، لكنها كانت في الوقت نفسه ملتزمة بإطار دولي للصهيونية وتواجه أزمة اللاجئين اليهود. لم تستطع سياسة واحدة إرضاء الأطراف المتعارضة. وهكذا انتهت الثورة من دون تسوية نهائية، بل بترحيل الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة.

الثمن

الخسائر والسجون والمنفى

تختلف أرقام القتلى والجرحى بحسب المصدر وطريقة العد، ولذلك من الأفضل التعامل بحذر مع رقم واحد قاطع. تتفق الدراسات على أن آلاف العرب الفلسطينيين قُتلوا خلال سنوات الثورة والقمع، إضافة إلى مئات اليهود والبريطانيين، وأن أعدادًا أكبر بكثير تعرضت للإصابة أو الاعتقال أو السجن. كانت نسبة الخسائر إلى عدد السكان الفلسطينيين كبيرة بما يكفي لتترك أثرًا في عائلات وقرى عديدة.

السجن كان تجربة سياسية بحد ذاته. احتجزت السلطات ناشطين وفرضت الاعتقال الإداري، واستخدمت معسكرات وسجونًا مختلفة. نُفيت شخصيات قيادية إلى سيشل أو غادرت إلى دول مجاورة وأوروبا. أدى ذلك إلى خلق جغرافيا سياسية خارج فلسطين، حيث واصل بعض القادة العمل من المنفى، لكن الاتصال بالداخل أصبح أصعب وتنافست مراكز القيادة.

الدمار المادي شمل منازل وطرقًا ومحاصيل ومتاجر، سواء بفعل العمليات المسلحة أو العقوبات والإجراءات العسكرية. ولم تكن تكلفة الأزمة موزعة بالتساوي. الأسرة الغنية تستطيع أحيانًا تعويض خسارة متجر أو دفع غرامة أكثر من أسرة فلاحية فقيرة فقدت حيوانًا أو محصولًا. لذلك خلقت الثورة تفاوتات جديدة حتى وهي تُرفع باسم قضية وطنية جامعة.

أما الأثر النفسي فلا يظهر بسهولة في الجداول. صور الجنود في الشوارع، التفتيش الليلي، انتظار خبر المعتقل، الخوف من كمين أو انفجار، وسماع أخبار الاغتيالات الداخلية كلها صنعت ذاكرة جيل كامل. عندما روى كبار السن لاحقًا أحداث الثلاثينيات، كثيرًا ما ربطوا السياسة بتفاصيل صغيرة: باب كُسر في مداهمة، قطار توقف، رجل لم يعد من الجبل، أو موسم لم يصل إلى السوق.

كيف نعرف؟

الأرشيف والصورة والذاكرة الشفهية

تاريخ الثورة غني بالمصادر لكنه غير متوازن. أنتجت حكومة الانتداب كمية ضخمة من البرقيات وتقارير الشرطة والجيش والملفات السرية، وهي مفصلة لكنها تنظر إلى المجتمع من زاوية الأمن والإدارة الاستعمارية. الصحف العربية مثل «فلسطين» و«الدفاع» و«الكرمل» تقدم خطابًا محليًا لكنها عملت تحت الرقابة والإغلاق والملاحقة. الصحافة العبرية والمؤسسات الصهيونية توفر بدورها سجلات عن الهجمات والدفاع والسياسة الداخلية.

الصور الفوتوغرافية ذات قيمة خاصة. مجموعة ماتسون، التي تضم أعمال قسم التصوير في المستعمرة الأميركية بالقدس، سجلت أحداث 1936 على نحو واسع: تجمعات، جنود، تفتيش، منازل متضررة، نقل عسكري وحياة مدنية. لكن الصورة لا تشرح نفسها؛ قد يحمل عنوانها لغة موظف أرشيف أو مصور في زمنه، وقد يغيب عنها ما حدث قبل لحظة التصوير وبعدها. لذلك يجب قراءتها إلى جانب الوثائق المكتوبة.

الذاكرة الشفهية تضيف أسماء وتجارب لا تظهر في ملفات الشرطة. روايات العائلات عن المقاتلين والنساء والمسالك والتموين تفتح نافذة على الحياة اليومية، لكنها تُروى بعد عقود وقد تتأثر بالذاكرة الوطنية وبالنسيان. المؤرخ لا يختار بين الوثيقة والذاكرة، بل يقارنهما، ويبحث عن نقاط الالتقاء والتناقض ويصرح بدرجة اليقين.

تتيح الرقمنة اليوم الوصول إلى مواد كانت تحتاج سابقًا زيارة أرشيف في لندن أو القدس أو واشنطن. يمكن قراءة تقرير لجنة بيل على الإنترنت، والبحث في ملفات الصحف، وفحص صور مكتبة الكونغرس بدقة عالية. هذا لا يجعل البحث تلقائيًا؛ بل يرفع مسؤولية التحقق من التاريخ والوصف والسياق. ولهذا ترتبط صور هذه الصفحة بصفحات مصدرها بدل عرضها بلا إحالة.

الإرث

من 1939 إلى 1948: ما الذي تركته الثورة؟

عندما توقفت العمليات الواسعة في 1939 لم تختفِ القضية التي أشعلت الثورة. بقي سؤال الهجرة والأرض والاستقلال بلا حل، بينما جعلت الحرب العالمية الثانية فلسطين قاعدة استراتيجية بريطانية وفتحت مرحلة اقتصادية وسياسية مختلفة. عاد التوتر بقوة بعد الحرب مع أزمة الناجين اليهود في أوروبا وتصاعد الهجرة غير النظامية والصراع بين بريطانيا والمنظمات الصهيونية المسلحة.

كان الفلسطينيون يدخلون هذه المرحلة من موقع تنظيمي أصعب. اللجنة العربية العليا حُظرت ثم أعيد تشكيلها لاحقًا، والقيادات مشتتة، والقدرات العسكرية المحلية محدودة مقارنة بما كان لدى الهاغاناه من مؤسسات وتجربة وتسليح. لا يفسر هذا وحده نتائج حرب 1948، لكنه عامل مهم في فهم عدم التوازن. فالسنوات 1936–1939 لم تكن مجرد مقدمة زمنية، بل استنزفت موارد بشرية وسياسية كان من الصعب تعويضها في أقل من عقد.

في الذاكرة الوطنية أصبح «الثوار» رمزًا للتمسك بالأرض ورفض الاستعمار، وتناقلت العائلات أسماء قادة محليين وأناشيد وقصصًا عن الجبال. وفي التاريخ البريطاني تُدرس المرحلة ضمن تاريخ مكافحة التمرد الإمبراطوري. وفي التاريخ الإسرائيلي تُقرأ أيضًا بوصفها فترة مهمة في تطور مؤسسات الييشوف الأمنية والسياسية. الجمع بين هذه الزوايا لا يعني مساواتها أخلاقيًا أو سياسيًا، بل يتيح فهم كيف أنتج الحدث آثارًا مختلفة لدى المجتمعات المتصارعة.

ربما يكون أهم درس تاريخي هو أن الثورة لم تكن قصة ثنائية من «نجاح» أو «فشل». حققت ضغطًا هائلًا وغيرت سياسة بريطانيا، لكنها لم تحقق استقلالًا فلسطينيًا، وتعرضت لقمع شديد وأنتجت انقسامات داخلية. تركت إرثًا من التنظيم والتضحية والذاكرة، وفي الوقت نفسه تركت مجتمعًا منهكًا. هذه المفارقة هي ما يجعلها مرحلة لا غنى عنها لفهم فلسطين في القرن العشرين.

لفهم ما جرى في فلسطين سنة 1948، لا يكفي أن نبدأ من 1947؛ فسنوات 1936–1939 أعادت تشكيل ميزان القوة والقيادة والذاكرة قبل ذلك بسنوات.

شاهد

فيديوهات موثوقة للسياق التاريخي

اخترنا المواد المرئية أدناه لأنها متاحة حاليًا على قنوات معروفة أو أرشيفية وتقدّم سياقًا بصريًا يساعد على قراءة الوثائق والصور. تبقى المصادر المكتوبة والأرشيفية في أسفل الصفحة المرجع الأساسي للتحقق من التفاصيل.

History.Culture.projects

The Martyrs of '36: The Great Palestinian Revolt

فيديو حديث مخصص لثورة 1936–1939، ويعرض تسلسل الإضراب ولجنة بيل والقمع البريطاني مع قائمة مصادر أولية وثانوية في وصف الفيديو.

History Hustle

The Arab Revolt in Palestine (1936–1939)

ملخص تاريخي بصري عن أسباب الثورة ومراحلها الرئيسة، مفيد كبداية قبل الرجوع إلى الوثائق والمراجع المفصلة.

Britain Palestine Project

Britain in Palestine 1917–1948

مقدمة للسياق الأوسع للحكم البريطاني في فلسطين من الاحتلال سنة 1917 حتى نهاية الانتداب، بما في ذلك أزمة الثلاثينيات.

المصادر

المصادر والمراجع

بُني هذا المقال على مراجع أرشيفية ومؤسسات بحثية ومصادر أولية أو مجموعات رقمية يمكن الرجوع إليها. الروابط أدناه مقصودة للقراءة المتعمقة، وللتأكد من التواريخ والصور والسياقات الواردة في النص.

ملاحظة الأرشيف

التاريخ هنا قابل للتحقق والتوسّع.

توجد اختلافات بين المصادر في تقدير أعداد الضحايا وفي وصف بعض عمليات القمع والاقتتال الداخلي. لذلك يتعمد هذا المقال تجنب رقم إجمالي واحد بوصفه يقينًا نهائيًا، ويشجع على مقارنة سجلات الانتداب والصحف الفلسطينية والأرشيف الصهيوني والروايات الشفهية والبحوث الأكاديمية. كما تُعرض الهجمات على المدنيين، أيًا كان منفذها، بوصفها جزءًا من التاريخ الذي يجب توثيقه لا تبريره.