العودة إلى الرئيسية

23 أغسطس 2026فريق البحث التاريخيقراءة 55+ دقيقة

تاريخ المدن والمجتمع

الخليل
1517–1948: البلدة القديمة والزجاج والعنب وأحداث 1929

دراسة في مدينة جبلية حافظت على نسيج مملوكي وعثماني كثيف حول الحرم الإبراهيمي، وربطت أسواقها جنوب فلسطين بالقدس والنقب وشرق الأردن. يتتبع المقال الوقف والحارات وصناعة الزجاج والعنب والتعليم والبلدية والمجتمعين العربي واليهودي، ثم يعالج عنف أغسطس 1929 بوضوح ودون اختزال، وصولًا إلى نهاية الانتداب سنة 1948.

منظر تاريخي عام لمدينة الخليل من مجموعة ماتسون

نسيج تاريخي

مملوكي–عثماني

تؤكد اليونسكو أن البلدة القديمة حافظت بدرجة كبيرة على مورفولوجيتها المملوكية، مع توسعات وإضافات عثمانية لاحقة.

موقع محوري

طريق القوافل

ربطت الخليل تاريخيًا جنوب فلسطين وسيناء وشرق الأردن وشمال الجزيرة العربية بالقدس والمدن الشمالية.

صناعة مشهورة

الزجاج

وثقت صور مجموعة ماتسون صناعة الزجاج في الخليل، إلى جانب اقتصاد العنب والدبس والحرف والأسواق.

مجزرة 1929

67 قتيلًا يهوديًا

في 24 أغسطس 1929 قتل مثيرو شغب عرب 67 يهوديًا في الخليل تقريبًا بحسب المصادر التاريخية، بينما أخفت عائلات عربية محلية مئات من جيرانها اليهود وساعدت في إنقاذهم.

العمران

مدينة الوادي والحارات حول الحرم الإبراهيمي

تقوم الخليل على تضاريس جبلية جنوب القدس، وقد تشكلت نواتها التاريخية في الوادي وعلى السفوح المحيطة بالحرم الإبراهيمي، أو مغارة المكفيلة في التسمية اليهودية. تصف اليونسكو البلدة القديمة بأنها مثال نادر على استمرار نسيج حضري تعود جذوره الأساسية إلى العصر المملوكي، مع حارات وأحواش وأزقة متداخلة ومبانٍ متلاصقة تؤدي في بعض المواضع وظيفة دفاعية. لم يكن هذا النسيج مجرد جمال معماري؛ كان طريقة لتنظيم السكن والقرابة والعمل والحماية والوصول إلى الأسواق ومرافق الوقف. لذلك فإن قراءة تاريخ الخليل من الشارع نفسه تكشف علاقات اجتماعية لا تظهر كاملة في جداول السكان.

الحرم الإبراهيمي هو المركز الديني الأبرز في المدينة، وهو موقع مقدس لدى المسلمين واليهود والمسيحيين. أحاطت به عبر القرون مؤسسات وقف وزوايا وتكايا وأسواق وخانات وطرق حج. وتذكر اليونسكو التكية الإبراهيمية بوصفها تقليدًا متصلًا بالضيافة وإطعام المحتاجين والزائرين. هذه الوظيفة تشرح كيف كان الدين جزءًا من الاقتصاد الاجتماعي لا طقسًا منفصلًا؛ فالحاج يحتاج إلى سكن وطعام ودليل، والوقف يحتاج إلى عقار أو دخل، والسوق يستفيد من الحركة. هكذا التقت القداسة بالحياة اليومية في قلب المدينة.

في العهد العثماني توسعت الخليل خارج حدود النواة الأقدم مع بقاء شكل الحارات التقليدي واضحًا. أضيفت طوابق إلى بيوت، وتحرك العمران على الطرق المؤدية إلى القدس وبئر السبع، وظهرت لاحقًا مبانٍ عامة ومدارس ومستشفيات خارج النسيج الأكثر كثافة. هذه العملية لم تحدث دفعة واحدة، بل على مراحل تتبع الأمن والاقتصاد والقدرة على البناء. عندما نرى الصور بين نهاية القرن التاسع عشر والثلاثينيات نلاحظ مدينة لا تزال فيها الأسطح الحجرية والأزقة القديمة مهيمنة، لكن محيطها يبدأ في الانفتاح على شبكة طرق ومؤسسات حديثة.

العهد العثماني

الإدارة والأعيان والوقف بين 1517 و1917

دخلت الخليل الحكم العثماني سنة 1517 ضمن التنظيم الإداري لبلاد الشام. وكما في مدن فلسطينية أخرى، عملت السلطة من خلال قضاة وموظفين وأعيان وعائلات محلية وشيوخ قرى وأوقاف. سجلات المحاكم الشرعية تكشف عالمًا واسعًا من البيع والشراء والميراث والزواج والديون والنزاعات وتسجيل الوقف. هذه الوثائق مهمة لأنها تخرج التاريخ من مستوى السلاطين والحروب إلى قرارات الناس اليومية. العائلة التي تشتري بستانًا أو تؤجر دكانًا أو توقف عقارًا تترك أثرًا يمكن أن يعيد المؤرخ من خلاله بناء الاقتصاد الحضري.

الموقع التجاري للخليل جعلها حلقة بين ريف جبلي غني بالعنب والزيتون والحبوب وبين طرق متجهة جنوبًا وشرقًا. الأسواق استقبلت منتجات القرى وأعادت توزيع سلع مصنعة ومستوردة. وكانت العلاقات بين المدينة والقرى متداخلة عبر الملكية والمصاهرة والعمل والديون. لهذا لا يكفي استخدام كلمة «مدينة» وكأن وراء الأسوار عالمًا منفصلًا؛ حياة الخليل الاقتصادية كانت تعتمد على محيطها، وأعيانها يملكون أراضي أو حقوقًا في قرى، بينما يدخل الفلاحون السوق لبيع المحصول وشراء الأدوات والملابس وتسوية المعاملات.

شهد القرن التاسع عشر إصلاحات عثمانية هدفت إلى إعادة تنظيم الضرائب والأرض والتجنيد والإدارة المحلية. زادت هذه الإصلاحات من حضور الدولة، لكنها لم تلغ الوساطة المحلية. كما أثرت فترة الحكم المصري بين 1831 و1840 في المنطقة، ثم عادت السلطة العثمانية وأدخلت أنماطًا أكثر انتظامًا في البلديات والطرق والاتصال. بحلول أواخر القرن أصبحت الخليل جزءًا من فضاء تتداخل فيه البرقية والبريد والمدرسة الحديثة مع المحكمة والوقف والحارة؛ تحديث تدريجي لا يعني اختفاء البنى الأقدم بل إعادة تركيبها.

الاقتصاد

العنب والدبس والزجاج والحرف والأسواق

ارتبط اسم الخليل طويلًا بالعنب. المناخ الجبلي والكروم المحيطة بالمدينة دعما إنتاج العنب الطازج والمجفف والدبس ومنتجات أخرى، وكانت المواسم تربط العمال والتجار وأصحاب الأراضي والقرى في دورة اقتصادية سنوية. إلى جانب ذلك انتشرت زراعة الزيتون والحبوب والفاكهة بحسب الموقع، واحتلت الحيوانات ومنتجاتها مكانًا في السوق. تقلب الأمطار والأسعار والنقل كان ينعكس على حياة الناس مباشرة، ولهذا فإن تاريخ الزراعة ليس فصلًا ريفيًا جانبيًا بل أساس لفهم دخل المدينة وديونها واستهلاكها.

صناعة الزجاج من أكثر الحرف التي وثقها المصورون في الخليل. تظهر صور ماتسون العمال وهم ينفخون الزجاج في ورش تستخدم أفرانًا وتقنيات متوارثة، وتحوّل المادة المنصهرة إلى أوانٍ وأشكال تباع محليًا أو خارج المدينة. كما عرفت الخليل حرف الجلد والدباغة والفخار والنسيج وغيرها بدرجات مختلفة. هذه الصناعات تكشف مهارة يدوية وتنظيمًا للعمل ومصادر للوقود والمواد الخام وشبكات تجارة. لا ينبغي النظر إليها كـ«فولكلور» ثابت؛ الحرفة تتغير حسب الطلب والمنافسة وكلفة المواد وقدرة المنتج على الوصول إلى السوق.

في زمن الانتداب ساعدت الطرق والشاحنات على تغيير سرعة نقل العنب والسلع، بينما أدخلت المنتجات الصناعية منافسة جديدة للحرف التقليدية. بعض الورش تكيف، وبعضها تقلص، وظهرت متاجر وخدمات حديثة. بقي السوق القديم مركزًا مهمًا، لكن النشاط امتد إلى شوارع جديدة. ويمكن قراءة هذا التحول في الصور: الحمار والعربة والسيارة قد تظهر في المشهد نفسه، والبيت الحجري التقليدي يقف قرب مؤسسة طبية حديثة. هذه التزامنية هي صورة أدق للتحديث من فكرة أن القديم اختفى ليحل الجديد محله.

المجتمع

مسلمون ومسيحيون ويهود في مدينة واحدة

كانت الخليل في أواخر العهد العثماني وبداية الانتداب مدينة ذات أغلبية عربية مسلمة، مع أقلية مسيحية صغيرة ومجتمع يهودي له جذور محلية قديمة وتطورات جديدة. ضم اليهود سفارديم عاش بعضهم في المدينة منذ أجيال، ثم وصلت مجموعات أشكنازية وطلاب دينيون من أوروبا في العقود السابقة لعام 1929. العلاقات اليومية لم تكن نمطًا واحدًا: توجد تجارة وجيرة وتأجير بيوت وخدمات متبادلة، كما توجد حدود اجتماعية ودينية ومساحات منفصلة. الخطأ هو اختزال عقود من الحياة في صورة تناغم كامل أو عداء دائم.

كان كثير من اليهود يستأجرون مساكن من ملاك عرب، وعرف بعض التجار والحرفيين بعضهم بعضًا عبر السوق. اللغة والعادات والشبكات تختلف بين الجماعات، لكن المدينة الصغيرة نسبيًا تجعل الاحتكاك اليومي أمرًا لا مفر منه. وصول طلاب دينيين من الخارج أضاف سكانًا أقل معرفة باللغة والعلاقات المحلية. في الوقت نفسه كانت فلسطين كلها تدخل صراعًا سياسيًا متزايدًا مع توسع المشروع الصهيوني والهجرة اليهودية تحت الانتداب، وهو صراع لا يمكن إسقاطه آليًا على كل علاقة فردية لكنه غيّر مناخ الثقة والسياسة.

تساعد هذه الخلفية على فهم 1929 من دون الوقوع في تبرير العنف. وجود علاقات جيرة سابقة لم يمنع انتشار الشائعات والتحريض والعنف، لكنه ظهر بوضوح عندما أخفت عائلات عربية يهودًا في بيوتها أثناء الهجوم. هذه الحقيقة لا تلغي مسؤولية القتلة ولا تقلل حجم المجزرة؛ بل تمنع تحويل «العرب» أو «اليهود» إلى شخصيتين جماعيتين بلا أفراد. التاريخ الدقيق يستطيع أن يقول في الصفحة نفسها إن عربًا قتلوا جيرانًا يهودًا، وإن عربًا آخرين خاطروا بحياتهم لحماية يهود، لأن كلا الأمرين موثق.

الانتداب البريطاني

البلدية والصحة والتعليم والتوسع العمراني

بعد دخول القوات البريطانية سنة 1917 انتقلت الخليل من إمبراطورية عثمانية إلى احتلال عسكري ثم انتداب مدني. الإدارة الجديدة وسعت أنظمة الشرطة والمحاكم والضرائب والتخطيط والطرق، وأدخلت قواعد مختلفة في التسجيل والأراضي. البلدية تعاملت مع النظافة والمياه والطرق والأسواق، لكن الإمكانات المالية كانت محدودة مقارنة بحجم الحاجات. أدى نمو السكان إلى توسع خارج البلدة القديمة، وأصبح الطريق إلى القدس ومحاور أخرى أكثر أهمية للعمران، بينما بقي مركز السوق والحرم الإبراهيمي قلبًا دينيًا وتجاريًا.

الصحة تقدم نافذة على التغيير. صور مستشفى الخليل في مجموعة ماتسون تظهر غرفة عمليات وأماكن للتمريض في بدايات القرن العشرين، وهي تذكير بأن الطب المؤسسي كان يتوسع إلى جانب العلاج المنزلي والممارسات التقليدية. المستشفى يحتاج إلى أطباء وتمريض وأدوية وتمويل، ولذلك يرتبط بتاريخ التعليم والإرساليات والإدارة. وفي الوقت نفسه ظلت الأوبئة والأمراض المزمنة وإصابات العمل والولادة تحديات يومية، خصوصًا للفقراء وسكان الريف الذين قد يقطعون مسافة للوصول إلى العلاج.

التعليم كذلك اتسع في زمن الانتداب، وإن بقيت الفرص متفاوتة بين المدينة والريف وبين الذكور والإناث. المدارس الحكومية والأهلية والدينية أدت أدوارًا مختلفة، وصعد جيل من المدرسين والموظفين والطلاب يقرأ الصحافة ويشارك في الجمعيات والسياسة. لم تكن الخليل بعيدة عن الحركة الوطنية الفلسطينية؛ وفودها وأعيانها ورجالها شاركوا في مؤتمرات واحتجاجات، بينما استمرت الانقسامات العائلية والسياسية التي عرفتها مدن أخرى. الحداثة الإدارية لم تخلق مجتمعًا موحدًا، بل وفرت أدوات جديدة للصراع والتفاوض.

أغسطس 1929

المجزرة: ما حدث وما لا يجوز إخفاؤه

في صيف 1929 تصاعد التوتر حول حائط البراق/الحائط الغربي في القدس، وانتشرت شائعات وخطابات تعبئة في أنحاء فلسطين. بعد اندلاع العنف في القدس ومناطق أخرى وصل التوتر إلى الخليل. في 24 أغسطس هاجم مثيرو شغب عرب أفرادًا وبيوتًا يهودية في المدينة. قُتل نحو 67 يهوديًا، بينهم رجال ونساء وأطفال، وأصيب العشرات، ونُهبت منازل ودُنست معابد وكتب دينية. توثق صور مكتبة الكونغرس كنيسًا تعرض للتخريب والكتب الممزقة على الأرض. وصف الحادث بوضوح ضروري؛ ما جرى كان قتلًا جماعيًا لمدنيين ولا يصح تليينه بلغة مبهمة.

في الوقت نفسه أنقذ سكان عرب محليون عددًا كبيرًا من اليهود بإخفائهم في بيوت أو مساعدتهم على الوصول إلى الشرطة. تختلف المصادر في الأعداد الدقيقة للناجين الذين تلقوا حماية، لكنها تتفق على وجود أمثلة واسعة موثقة للإنقاذ. هذه الوقائع تكشف انقسام المجتمع خلال ساعات الأزمة: بعض الناس انضم إلى العنف، وبعضهم قاومه، وآخرون كانوا عاجزين أو خائفين. تسجيل أفعال المنقذين لا يبرئ المجتمع من الجريمة ولا يغير هوية الضحايا؛ هو جزء من الدقة التاريخية نفسها التي تفرض تسجيل القتل.

فشلت الشرطة البريطانية في منع المجزرة بالسرعة المطلوبة، وأصبحت كفاءة الإدارة الانتدابية موضوع تحقيق رسمي ضمن لجنة شو التي درست اضطرابات 1929. بعد الأحداث أجلت السلطات البريطانية معظم الناجين اليهود من الخليل، فانقطع مجتمع يهودي محلي كان جزءًا من المدينة قبل الأزمة. عاد عدد محدود من اليهود في السنوات التالية، لكن الوجود لم يستعد حجمه السابق، ومع ثورة 1936 وتدهور الأمن غادر الباقون تقريبًا. لذلك كانت 1929 قطيعة ديموغرافية ونفسية عميقة في تاريخ المدينة، وآثارها تجاوزت عدد أيام الشغب.

الثلاثينيات

بعد المجزرة: السياسة والثورة والحياة التي استمرت

لم تتوقف حياة الخليل بعد 1929. الأسواق فتحت والمدارس عملت والكروم أنتجت، لكن المجتمع دخل ثلاثينيات أكثر توترًا. على مستوى فلسطين اشتدت المعارضة للانتداب وللهجرة والسياسات الصهيونية، ثم اندلع الإضراب العام والثورة الفلسطينية الكبرى سنة 1936. منطقة الخليل الجبلية وطرقها وقراها كانت جزءًا من جغرافيا التمرد، واستفاد المقاتلون من التضاريس وشبكات الريف، بينما ردت بريطانيا بحملات عسكرية واعتقالات ومداهمات وعقوبات ومراقبة الطرق.

انعكس الصراع على التجارة والتنقل. الحواجز والإضراب والخوف من الطرق يمكن أن يرفع كلفة السلعة ويؤخر المحصول، والمداهمة قد تحول بيتًا أو متجرًا إلى جزء من الحرب. كما أن المنافسة بين التيارات والعائلات الفلسطينية لم تختف أثناء الثورة؛ السياسة المحلية ظلت معقدة، وفي بعض الأحيان تحولت الخلافات إلى عنف داخلي. لذلك لا يمكن قراءة 1936–1939 كتعبئة موحدة بلا تناقضات، ولا يمكن في المقابل تجاهل اتساع المشاركة الشعبية ضد نظام الانتداب.

بعد قمع الثورة دخلت فلسطين الحرب العالمية الثانية في ظرف أمني وسياسي مختلف. عادت بعض الأنشطة الاقتصادية، وزاد طلب الجيش البريطاني على منتجات وخدمات، لكن التضخم ونقص بعض السلع أثرا في السكان. الجيل الذي عاش 1929 والثورة رأى الآن حربًا عالمية جديدة، بينما استمرت قضايا الأرض والهجرة ومستقبل الحكم بلا حل. هذه السنوات ضرورية لأنها تشرح كيف وصل المجتمع إلى 1947 منهكًا سياسيًا لكنه لا يزال يمتلك مؤسسات محلية واقتصادًا نشطًا وروابط قوية بالريف.

الأربعينيات

من نهاية الحرب إلى نهاية الانتداب سنة 1948

بعد 1945 تصاعد الصراع على مستقبل فلسطين. بريطانيا أعلنت نيتها الانسحاب، وأحالت المسألة إلى الأمم المتحدة، ثم جاء قرار التقسيم في نوفمبر 1947. الخليل نفسها كانت ضمن المنطقة المخصصة للدولة العربية في الخطة، ولذلك لم تشهد في ربيع 1948 سيناريو سقوط مدن مختلطة مثل حيفا أو صفد. لكن المدينة تأثرت بالحرب من خلال التجنيد المحلي وحركة القوات واللاجئين وتعطل طرق التجارة وعدم اليقين. كما أن ارتباطها بالقدس جعل تطورات الطريق والمناطق المحيطة جزءًا من حياتها اليومية.

عند انتهاء الانتداب في مايو 1948 دخلت المنطقة مرحلة الحرب العربية الإسرائيلية، ثم أصبحت الخليل لاحقًا تحت الإدارة الأردنية. بخلاف مئات القرى والمدن الساحلية التي فرغت من سكانها الفلسطينيين، بقي المجتمع العربي في الخليل في مكانه، لكنه استقبل لاجئين من مناطق أخرى وتأثر بإعادة رسم الحدود والأسواق. هذا الفرق مهم تاريخيًا: «النكبة» لم تكن تجربة مكانية واحدة، بل طيفًا من التهجير والقتل والحصار وفقدان الأرض وانقطاع الطرق وتغير السلطة، وكانت الخليل مدينة استقبال واستمرار بقدر ما كانت جزءًا من الأزمة الوطنية.

تنتهي الفترة هنا عند 1948 لأن العقود التالية تحتاج دراسة مستقلة تشمل الحكم الأردني ثم الاحتلال الإسرائيلي منذ 1967 والتحولات حول البلدة القديمة والحرم. ومع ذلك، فإن كل ما سبق يفسر لماذا بقيت المدينة تحمل طبقات متراكبة من الذاكرة: عمران مملوكي وعثماني، حرف زراعية وصناعية، تجربة انتداب، جرح 1929، وثورة وحرب. الحفاظ على هذه الطبقات معًا يمنع كتابة تاريخ أحادي يحول الخليل إلى موقع ديني فقط أو إلى حادث عنف واحد فقط.

الحياة المادية

الماء والكروم والورش والبيت: تاريخ الخليل من التفاصيل اليومية

اقتصاد الخليل لا يُفهم من السوق المركزي وحده. على السفوح المحيطة تنتشر كروم العنب وبساتين الزيتون وحقول الحبوب، وكل موسم يخلق حركة من الريف إلى المدينة ومن المدينة إلى الريف. العنب يحتاج إلى قطف ونقل سريع، ويُستهلك طازجًا أو يُجفف ويُحوّل إلى دبس ومنتجات تحفظ مدة أطول. هذه العمليات تستدعي عمل الأسرة والأجراء والتجار وأصحاب الدواب وأصحاب المخازن. حين تتحسن الطريق تقل كلفة النقل، وحين تغلقها اضطرابات أو أمطار أو حملة عسكرية يتضرر المنتج. لذلك فإن التاريخ الزراعي جزء مباشر من تاريخ السياسة والبنية التحتية؛ القرار الذي يغير أمن الطريق يمكن أن يحدد سعر محصول في السوق خلال أيام.

الماء عامل آخر في شكل المدينة. البيوت الحجرية والأحواش اعتمدت على آبار وخزانات وجمع مياه المطر، وكانت إدارة الماء جزءًا من تصميم السكن ومن عمل الأسرة. في مدينة جبلية لا تمر فيها أنهار كبيرة يصبح تخزين الماء وتنظيف الخزان وصيانة القنوات مسألة معيشة أساسية. ومع توسع العمران في الانتداب ظهرت مشاريع وخطط خدمات أكثر حداثة، لكنها لم تصل في لحظة واحدة إلى الجميع. يمكن قراءة الاختلاف بين الحارة القديمة والشارع الجديد من خلال هذه البنية: البيت الأقدم منظم حول فناء وخزان وعلاقات جيرة كثيفة، بينما المباني الجديدة على الطرق الخارجية تملك إمكانات مختلفة في الاتصال والمرافق.

ورشة الزجاج تقدم مثالًا مصغرًا على اقتصاد المعرفة. النفخ يحتاج إلى مهارة تُكتسب بالمشاهدة والممارسة، والفرن يحتاج إلى وقود منتظم، والمواد الخام إلى توريد، والمنتج النهائي إلى زبون. كل قطعة تبدو بسيطة تحمل داخلها شبكة اقتصادية. يتعلم الصبي من قريب أو معلم، وينظم أصحاب الورشة ساعات العمل حول حرارة الفرن وتوفر المواد، ثم يذهب المنتج إلى سوق محلي أو تاجر يحمل بعضه إلى مدينة أخرى. ومع دخول بضائع مصنعة أرخص تتغير حسابات الحرفة: قد يبحث الحرفي عن أشكال مميزة لا ينافسه فيها المصنع، أو يقل عدد الورش، أو تتحول القطعة إلى منتج يرتبط بهوية المدينة والتراث.

البيت نفسه مؤسسة اقتصادية. النساء يشاركن في تجهيز الأغذية وحفظ المحاصيل وتربية الأطفال وإدارة الموارد وأعمال قد لا تسجلها دفاتر الأجور. وفي المواسم يمكن أن تتسع المشاركة إلى الزراعة أو تجهيز منتجات للبيع. كما أن شبكات النساء عبر القرابة والزواج تربط الحارات والقرى، وتنقل المعلومات والدعم في الأزمات. عندما تقع مداهمة أو يسجن رجل أو يتوقف دخله، لا تتوقف الأسرة؛ تعيد توزيع العمل والإنفاق وتطلب مساعدة من أقارب. مثل هذه الممارسات لا تُرى بسهولة في تقارير الانتداب، ولهذا يحتاج المؤرخ إلى شهادات وسجلات محاكم ومذكرات ومصادر اجتماعية كي لا يتحول تاريخ المدينة إلى تاريخ الرجال الرسميين وحدهم.

تساعد هذه التفاصيل على فهم لماذا كان العنف السياسي مدمرًا حتى لمن لم يشارك فيه. مجزرة 1929 لم تقتل أفرادًا يهودًا فقط؛ قطعت علاقات إيجار وتجارة وجيرة وتعلم، وأغلقت بيوتًا ومعابد ومتاجر، وغيّرت خرائط الثقة. الثورة في الثلاثينيات لم تكن إطلاق نار فقط؛ كانت حواجز واعتقالات وتعطل مواسم وخوفًا من الطريق. وفي 1948 لم تكن الخليل ساحة إفراغ كامل، لكنها استقبلت لاجئين واضطرت إلى دمج أسر فقدت اقتصادها المحلي. التاريخ المادي يجعلنا نرى أن المجتمع يتغير حين تتغير القدرة على الوصول إلى الماء والعمل والبيت والسوق، وأن هذه التحولات قد تبقى أطول من الحدث السياسي نفسه.

تاريخ الأسواق يكشف كذلك طبقات الاختلاف الاجتماعي داخل الخليل. ليس كل تاجر من الأعيان، وليس كل مزارع فقيرًا، وليست الحرفة علامة طبقة واحدة. بعض العائلات جمعت بين الأرض والتجارة والوظيفة، وبعض العمال اعتمدوا على أجر يومي، وآخرون امتلكوا ورشة صغيرة. الدين والقرابة يحددان دوائر ثقة، لكن الائتمان يمكن أن يتجاوز الحارة حين يحتاج المزارع إلى سلفة قبل الموسم أو يحتاج التاجر إلى شريك في مدينة أخرى. سجلات الديون والمحاكم، إذا قُرئت بعناية، تكشف اقتصادًا قائمًا على الوعد والسداد بقدر قيامه على النقد. وعندما تحدث أزمة سياسية تتسع آثارها عبر هذه الديون: تعطل المحصول لا يصيب المزارع وحده بل الدائن والمتجر والعامل الذي ينتظر أجره.

الحرم الإبراهيمي والأسواق المحيطة به يجعلان حركة الزوار جزءًا من اقتصاد المدينة. القادم للزيارة يحتاج إلى طعام ومبيت ودليل وربما يشتري سلعة محلية. وفي المقابل تفرض قداسة المكان قواعد وصول وطقوسًا وحدودًا بين الطوائف والجماعات، وتتغير هذه القواعد بحسب السلطة الحاكمة. لذلك فإن تاريخ الموقع ليس دينيًا فقط؛ هو تاريخ إدارة عامة وعلاقات قوة ووقف وموارد. التكية التي تقدم الطعام مثال واضح على تداخل العبادة بالرفاه الاجتماعي: خدمة دينية تنتج مطبخًا وتمويلًا وشراء حبوب وعمالًا وتوزيعًا يوميًا. تتبع هذه المؤسسات يعيد إلى التاريخ أفرادًا لا يظهرون في روايات السياسة، مثل الطباخ والحارس والفقير والمسافر.

كذلك يجب النظر إلى صور 1929 وما بعدها ضمن تسلسل زمني أطول. صورة كنيس مخرب تثبت أثرًا ماديًا للعنف، لكنها لا تخبر وحدها كيف عاش اليهود والعرب قبل ذلك اليوم ولا لماذا أنقذ بعض الجيران بعضهم. والعكس صحيح: شهادة جيرة جيدة لا تستطيع إنكار القتل. عندما يجمع المؤرخ الوثيقة والصورة والشهادة وسجل المحكمة، يستطيع تجنب الانتقاء الذي يحول الماضي إلى أداة اتهام جماعي. الخليل تقدم درسًا صعبًا في هذا المجال لأن ذاكرتها المعاصرة شديدة الحساسية؛ وكلما كان الموضوع سياسيًا، زادت قيمة اللغة المحددة: من فعل ماذا، في أي يوم، بحق من، وما الذي نعرفه يقينًا وما الذي يبقى محل اختلاف.

ومن المفيد أخيرًا تتبع الأشياء نفسها عبر الزمن: عنقود العنب يتحول من محصول عائلي إلى سلعة في السوق، والقطعة الزجاجية تنتقل من ورشة إلى متجر ثم ربما إلى بيت في مدينة أخرى، والماء ينتقل من خزان البيت إلى مشروع بلدي، والرسالة تنتقل من شخص إلى صحيفة أو عريضة سياسية. بهذه الطريقة يصبح تاريخ الخليل شبكة من الحركة لا سلسلة أحداث منفصلة. حتى الحدود بين المدينة والريف تصبح أكثر مرونة؛ كثير من سكان القرى يعملون أو يبيعون في الخليل، وكثير من أهل المدينة يملكون أرضًا أو قرابة خارجها. وعندما ندرس 1929 أو الثورة أو 1948 يجب أن نتذكر أن العنف يقطع هذه المسارات المادية والاجتماعية. فقدان متجر يعني فقدان مورد وعلاقة زبون، ومغادرة جار تعني تغير شبكة الثقة، وإغلاق طريق يعني إعادة ترتيب موسم كامل. هذا المنظور لا يستبدل التاريخ السياسي، بل يبين كيف يدخل القرار السياسي إلى تفاصيل الحياة التي تبدو صغيرة لكنها تصنع استمرارية المجتمع.

الأرشيف

الوثيقة والصورة والمصدر المتعارض

الخليل مثال واضح على ضرورة المقارنة بين المصادر. اليونسكو تقدم وصفًا تفصيليًا للنسيج العمراني وقيمته التاريخية، وسجلات مكتبة الكونغرس تقدم صورًا موثقة بمعلومات تقنية، بينما تقارير الانتداب والتحقيقات الرسمية توثق أحداثًا سياسية وأمنية. كل نوع يجيب عن سؤال مختلف. صورة الزجاج توثق حرفة لكنها لا تخبرنا تلقائيًا عن أجور العمال؛ تقرير أمني يسجل القتلى لكنه قد يعكس رؤية السلطة؛ ملف ترشيح تراثي يهتم بالمبنى أكثر من الصراع الاجتماعي. المؤرخ يحتاج إلى تركيب هذه القطع لا اختيار مصدر واحد شامل.

أحداث 1929 خصوصًا تتطلب حساسية عالية. المصادر اللاحقة قد تُستخدم في سجالات سياسية معاصرة، ولذلك اعتمدت الصفحة على الوقائع الأساسية المتفق عليها، وعلى سجلات أرشيفية وصور يمكن فحصها، مع الإقرار بوجود اختلاف في بعض أرقام الناجين وتفاصيل الإنقاذ. لا يجوز استخدام أعمال الإنقاذ لإنكار المجزرة، كما لا يجوز استخدام المجزرة لإنكار أن منقذين عربًا وجدوا فعليًا. هذه ليست «موازنة» أخلاقية مصطنعة، بل احترام لأشخاص حقيقيين فعلوا أفعالًا مختلفة في لحظة واحدة.

المعرض أدناه لا يستخدم صورًا زخرفية عشوائية. كل لقطة مرتبطة بسجل مكتبة الكونغرس: منظر المدينة، ورشة الزجاج، الحرم الإبراهيمي، المستشفى، وصورة التخريب سنة 1929. بهذه الطريقة يستطيع القارئ فتح المصدر والتأكد من العنوان والتاريخ والحقوق. والهدف الأوسع هو بناء أرشيف عربي يثق بالقارئ: لا يطلب منه قبول الرواية لمجرد أنها مكتوبة بثقة، بل يضع أمامه الأدلة والروابط ليتحقق ويقرأ أكثر.

شاهد

فيديوهات موثوقة للسياق التاريخي

اخترنا المواد المرئية أدناه لأنها متاحة حاليًا على قنوات معروفة أو أرشيفية وتقدّم سياقًا بصريًا يساعد على قراءة الوثائق والصور. تبقى المصادر المكتوبة والأرشيفية في أسفل الصفحة المرجع الأساسي للتحقق من التفاصيل.

Steven Spielberg Jewish Film Archive — Hebrew University

فلسطين سنة 1934: رحلة مصورة تشمل الخليل

فيلم سفر من حقبة الانتداب محفوظ في أرشيف أفلام الجامعة العبرية، يضم مشاهد لمدن فلسطين ومنها الخليل. يُقرأ بوصفه وثيقة تصويرية من ثلاثينيات القرن العشرين لا سردًا تاريخيًا محايدًا.

British Pathé

فلسطين أواخر الانتداب سنة 1946

لقطات أخبار بريطانية أصلية من زمن الانتداب تساعد في رؤية الطرق والملابس والعمران والمؤسسات في فلسطين قبيل 1948. لغتها التحريرية تعكس مؤسسة بريطانية ويجب التعامل معها نقديًا.

المصادر

المصادر والمراجع

بُني هذا المقال على مراجع أرشيفية ومؤسسات بحثية ومصادر أولية أو مجموعات رقمية يمكن الرجوع إليها. الروابط أدناه مقصودة للقراءة المتعمقة، وللتأكد من التواريخ والصور والسياقات الواردة في النص.

ملاحظة الأرشيف

التاريخ هنا قابل للتحقق والتوسّع.

تعالج الصفحة تاريخ الخليل بما فيه عنف 1929 من دون إنكار أو تلطيف: قُتل نحو 67 يهوديًا على أيدي مثيري شغب عرب، وتعرضت بيوت ومعابد للنهب؛ وفي الوقت نفسه توجد شهادات موثقة على إنقاذ عائلات عربية لجيران يهود. جُمعت الصور من سجلات مكتبة الكونغرس، واعتمد وصف العمران على اليونسكو، وجرى تجنب تحويل أي جماعة كاملة إلى فاعل واحد عندما كانت الأفعال الفردية والجماعية مختلفة.