التاريخ السياسي والوثائقي
الكتب البيضاء البريطانية في فلسطين
1922–1939: كيف أعادت لندن تفسير الانتداب والهجرة والأرض والدولة
بين وعد بلفور ونهاية الثلاثينيات أصدرت الحكومة البريطانية بيانات سياسة حاولت تفسير التزاماتها المتعارضة في فلسطين. تتبع الصفحة كتاب تشرشل الأبيض 1922، بيان باسفيلد 1930 والرسالة التي خففت أثره، ثم كتاب ماكدونالد الأبيض 1939 الذي اقترح دولة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنوات وحدد هجرة يهودية بنحو 75 ألف شخص خلال خمس سنوات قبل اشتراط الموافقة العربية على المزيد.

بيان تشرشل
1922
أعاد تفسير سياسة الوطن القومي اليهودي وشدد على أن فلسطين كلها لم تكن مقصودة للتحول إلى وطن قومي يهودي.
بيان باسفيلد
1930
جاء بعد لجنة شو وتقرير هوب سمبسون وركز على الأرض والهجرة والبطالة والقدرة الاقتصادية على الاستيعاب.
كتاب ماكدونالد
1939
أعلن أن السياسة البريطانية ليست تحويل فلسطين إلى دولة يهودية، واقترح دولة مستقلة خلال عشر سنوات إذا سمحت الظروف.
الهجرة 1939
نحو 75,000 خلال 5 سنوات
حدد الكتاب الأبيض سقفاً تقريبياً للهجرة اليهودية خلال خمس سنوات، وبعدها ربط أي هجرة إضافية بالموافقة العربية.
ما هو الكتاب الأبيض ولماذا كان مهماً؟
الكتاب الأبيض وثيقة حكومية بريطانية تشرح سياسة رسمية وتعرض الأسس التي ستوجه الإدارة. في فلسطين اكتسبت هذه الوثائق أهمية استثنائية لأن نص الانتداب ووعد بلفور وحقوق السكان العرب ومسألة الهجرة والأرض كانت موضع نزاع دائم على المعنى والتنفيذ.
كل تغير رئيسي في السياسة أعقبه نقاش حول ما إذا كانت الحكومة قد أعادت تفسير التزاماتها السابقة أو غيرت اتجاهها. لذلك لا يكفي قراءة عنوان الوثيقة؛ يجب مقارنة نصوصها بما سبقها وبكيفية تطبيقها.
السلطة في فلسطين كانت محلية ودولية في وقت واحد: المندوب السامي ينفذ، لكن الحكومة والبرلمان في لندن وعصبة الأمم كانوا جزءاً من بنية القرار.
ليس كل بيان بريطاني «كتاباً أبيض» بالمعنى الطباعي الدقيق، لكن الاستخدام التاريخي الشائع يجمع بعض بيانات السياسة الرئيسية تحت هذا الاسم.
كتاب تشرشل الأبيض: محاولة تعريف حدود وعد بلفور
جاء بيان 1922 بعد توترات السنوات الأولى من الانتداب. أكد دعم بريطانيا لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، لكنه رفض تفسير ذلك على أنه يعني تحويل فلسطين كلها إلى وطن قومي يهودي أو فرض جنسية يهودية على السكان العرب.
البيان ربط الهجرة بما سماه القدرة الاقتصادية للبلاد على استيعاب الوافدين، وهو مبدأ سيعود مراراً في السياسات اللاحقة. كما حاول طمأنة العرب إلى أن حقوقهم المدنية والدينية لن تُنتقص.
بالنسبة للحركة الصهيونية حافظ البيان على جوهر الاعتراف بالوطن القومي؛ وبالنسبة للعرب لم يحل الاعتراض الأساسي على سياسة اعتبروها تتجاهل حق الأغلبية السياسية في تقرير المصير.
يجب التمييز بين اللغة القانونية للبيان والتوقعات السياسية التي قرأها كل طرف فيه. الوثيقة نفسها لم تنه الخلاف بل أعادت صياغته.
من العنف إلى لجان التحقيق
أحداث 1929 دفعت بريطانيا إلى سلسلة من التحقيقات في أسباب العنف والعلاقة بين الأرض والهجرة والبطالة. جاءت لجنة شو ثم مهمة هوب سمبسون، الذي درس القدرة الزراعية وفرص العمل والهجرة والتنمية.
تقرير هوب سمبسون ناقش الأرض القابلة للزراعة والعمالة والهجرة والصناعة بتفصيل كبير، وأصبح مرجعاً في صياغة سياسة أكثر تقييداً في 1930.
الخلاف لم يكن على عدد المهاجرين فقط؛ كان على أثر شراء الأرض وانتقال الملكية وفرص العامل والفلاح وعلى الهدف السياسي النهائي للانتداب.
تقارير اللجان تعكس افتراضات وأساليب قياس زمنها، وبعض تقديراتها تعرضت للنقد لاحقاً. قيمتها الكبرى أنها تكشف منطق القرار الرسمي في لحظته.
باسفيلد: تشديد ثم تراجع سياسي
بيان باسفيلد تبنى قراءة أكثر حذراً للهجرة والأرض، وشدد على واجب الحكومة تجاه السكان العرب وعلى حدود القدرة الاقتصادية. أثار البيان معارضة صهيونية قوية ومواجهة سياسية في بريطانيا وخارجها.
بعد أشهر أرسل رئيس الوزراء رامزي ماكدونالد رسالة إلى حاييم وايزمان فسرت السياسة بطريقة اعتبرها العرب تراجعاً عن قيود باسفيلد. في الأدبيات الفلسطينية عُرفت الرسالة أحياناً باسم «الرسالة السوداء» بسبب هذا الأثر.
الحلقة تكشف أن الكتاب الأبيض لم يكن نهاية عملية القرار؛ الضغوط والرسائل والتفسيرات الإدارية يمكن أن تغير كيفية التنفيذ من دون إصدار وثيقة جديدة كاملة.
وصف الرسالة بأنها إلغاء كامل لبيان باسفيلد مبالغة؛ الأصح أنها أعادت تفسير نقاط أساسية وخففت الانطباع عن القيود.
الثورة الكبرى تدفع بريطانيا إلى إعادة التفكير جذرياً
الإضراب العام والثورة المسلحة والقمع الواسع جعلت استمرار السياسة القديمة مكلفاً. لجنة بيل 1937 اقترحت التقسيم، ثم درست لجنة وودهيد إمكان تطبيقه، بينما استمرت بريطانيا في البحث عن تسوية قبل الحرب الأوروبية المتوقعة.
فشل خطة التقسيم الأولى في الوصول إلى صيغة قابلة للتنفيذ فتح الطريق إلى مؤتمر لندن 1939 ثم الكتاب الأبيض الجديد. بذلك يمثل كتاب 1939 نتيجة سلسلة لجان لا قراراً مفاجئاً منفصلاً.
المصالح البريطانية الاستراتيجية في الشرق الأوسط والحاجة إلى الاستقرار عشية الحرب العالمية الثانية كانت جزءاً مهماً من الحساب السياسي.
رد السياسة إلى عامل واحد مثل الثورة أو الحرب الأوروبية يبسط القرار؛ الوثائق تظهر تداخل الأمن والدبلوماسية والهجرة والاقتصاد.
دولة فلسطينية خلال عشر سنوات؟
أعلن كتاب ماكدونالد الأبيض أن السياسة البريطانية ليست أن تصبح فلسطين دولة يهودية، واقترح العمل نحو دولة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنوات تكون فيها العرب واليهود مشترَكين في الحكم مع ضمان مصالح الجماعتين والأماكن المقدسة.
المذكرات الدبلوماسية المعاصرة والنص الرسمي يذكران الإطار الزمني بوضوح، مع احتفاظ بريطانيا بإمكان التأجيل إذا لم تسمح الظروف بقيام حكومة مستقرة.
هذا كان تحولاً عن خطة التقسيم التي طرحتها لجنة بيل، لكنه لم يلب المطالب العربية كاملة ولم تقبله الحركة الصهيونية التي رأته إغلاقاً لمسار بناء الأغلبية والدولة اليهودية.
الوثيقة وعدت بمسار دستوري مشروط، لا باستقلال تلقائي في يوم محدد بعد عشر سنوات.
75 ألف مهاجر وحدود جديدة لانتقال الأرض
حدد الكتاب الأبيض هجرة يهودية بنحو 75 ألف شخص خلال خمس سنوات، موزعة على حصص سنوية ولاجئين، على أن تتوقف الهجرة الإضافية بعد ذلك ما لم يوافق العرب. كما أعطى المندوب السامي صلاحية تنظيم أو منع انتقال الأرض في مناطق معينة.
النص الرسمي يحدد 10 آلاف مهاجر سنوياً لخمس سنوات إضافة إلى 25 ألف لاجئ ضمن شروط القدرة الاقتصادية، وهو ما ينتج سقف 75 ألفاً. لاحقاً صدرت أنظمة لتقسيم البلاد إلى مناطق مختلفة في قيود شراء الأرض.
القيود صدرت في لحظة كانت فيها أوروبا تدخل الحرب والاضطهاد النازي لليهود يتصاعد، وهو ما جعلها بالنسبة للصهيونية شديدة القسوة. في المقابل رأت قطاعات عربية أن السياسة جاءت متأخرة ولم تضمن الاستقلال الفوري.
الحصة القانونية لا تساوي عدد الوافدين الفعليين؛ الهجرة غير النظامية والحرب والسياسة التنفيذية أثرت في الأرقام.
وثائق وعدت بالتسوية ولم تنه الصراع
بين 1922 و1939 انتقلت السياسة البريطانية من تفسير وعد بلفور وتقييد الهجرة بالقدرة الاقتصادية إلى بحث التقسيم ثم العودة إلى مشروع دولة موحدة بشروط. هذا التبدل يعكس صعوبة التوفيق بين التزامات سياسية متعارضة أكثر مما يعكس خطة ثابتة طويلة الأمد.
قراءة الوثائق بالتسلسل تكشف أن كل كتاب أبيض حاول إصلاح أزمة خلفتها المرحلة السابقة، لكنه خلق اعتراضات جديدة أو ترك قضايا أساسية بلا حل.
الحرب العالمية الثانية أوقفت كثيراً من التطور الدستوري، وبعدها تصاعد الصراع وقررت بريطانيا إحالة القضية إلى الأمم المتحدة ثم إنهاء الانتداب.
التاريخ اللاحق يجعل من السهل قراءة 1939 كخطوة مباشرة نحو 1948، لكن صناع القرار آنذاك لم يعرفوا المسار الكامل الذي ستأخذه الأحداث.
فيديوهات موثوقة للسياق التاريخي
اخترنا المواد المرئية أدناه لأنها متاحة حاليًا على قنوات معروفة أو أرشيفية وتقدّم سياقًا بصريًا يساعد على قراءة الوثائق والصور. تبقى المصادر المكتوبة والأرشيفية في أسفل الصفحة المرجع الأساسي للتحقق من التفاصيل.
Balfour Project
Britain in Palestine 1917-1948
فيلم يشرح التحولات الرئيسية في السياسة البريطانية من الانتداب إلى الانسحاب، بما فيها أزمة الثلاثينيات.
British Pathé
In Palestine Today (1938)
لقطات أرشيفية من فلسطين عشية الكتاب الأبيض لعام 1939 تقدم سياقاً بصرياً للفترة.
معرض صور أرشيفية حقيقية
جميع الصور في هذا المعرض مرتبطة بصفحات مصدر أرشيفية أو بملفات موثقة في ويكيميديا كومنز، ويعود عدد كبير منها إلى مجموعة ماتسون في مكتبة الكونغرس. أُدرج رابط المصدر مع كل صورة كي يمكن فحص الوصف والتاريخ وبيانات الحقوق.

صورة أرشيفية
احتجاج على الكتاب الأبيض
صورة من مجموعة ماتسون لاحتجاج مرتبط بالسياسة البريطانية في فلسطين في أواخر الثلاثينيات.
المصدر
صورة أرشيفية
مظاهرة ضد السياسة البريطانية
مشهد أرشيفي آخر من الاحتجاجات التي رافقت الجدل حول الهجرة ومستقبل فلسطين.
المصدر
صورة أرشيفية
القدس في زمن الانتداب
العاصمة الإدارية التي صدرت منها أوامر التنفيذ بينما كانت القرارات الأساسية تصاغ في لندن.
المصدرالمصادر والمراجع
بُني هذا المقال على مراجع أرشيفية ومؤسسات بحثية ومصادر أولية أو مجموعات رقمية يمكن الرجوع إليها. الروابط أدناه مقصودة للقراءة المتعمقة، وللتأكد من التواريخ والصور والسياقات الواردة في النص.
التاريخ هنا قابل للتحقق والتوسّع.
مصطلح «الكتب البيضاء» يستخدم هنا بالمعنى الوثائقي لبيانات السياسة الحكومية البريطانية، مع التمييز بين النص الرسمي وردود الفعل عليه. المواقف العربية والصهيونية لم تكن متطابقة داخل كل معسكر، لذلك تُعرض الاستجابات الأساسية من دون افتراض إجماع كامل.