العودة إلى الرئيسية

22 سبتمبر 2026فريق البحث التاريخيقراءة 65+ دقيقة

تاريخ الإعلام والثقافة

إذاعة فلسطين: خدمة البث الفلسطينية
1936–1948: من رام الله إلى استوديوهات القدس وصوت الراديو اليومي

بحث موسع في تاريخ خدمة البث الفلسطينية التي افتتحتها حكومة الانتداب سنة 1936، واستوديوهاتها وبرامجها العربية والإنجليزية والعبرية والموسيقى والأخبار والتعليم والموظفين والتقنية، حتى نهاية عهد الانتداب في 1948. يعتمد المقال على دراسة أكاديمية متخصصة وصور مكتبة الكونغرس ووثائق وأرشيفات بصرية.

افتتاح خدمة البث الفلسطينية في رام الله في 30 مارس 1936 في صورة محفوظة بمكتبة الكونغرس

الافتتاح

30 مارس 1936

بدأت خدمة البث الفلسطينية بثها الرسمي في عهد الانتداب، ووثقت مجموعة ماتسون مراسم الافتتاح في رام الله.

لغات البث

3

قدمت المحطة برامج بالعربية والإنجليزية والعبرية ضمن بنية رسمية متعددة الأقسام واللغات.

المدة

12 سنة

استمرت الخدمة من 1936 حتى نهاية الانتداب في 1948، وهي فترة قصيرة نسبيًا لكنها مهمة في تاريخ الإذاعة بالمنطقة.

استوديوهات جديدة

أواخر 1930s

وثقت مكتبة الكونغرس مباني وتجهيزات واستوديوهات جديدة في القدس وفرقًا موسيقية وموظفين مرتبطين بالمحطة.

قبل 1936

حين صار الصوت يقطع المسافة بلا سلك

غيّر الراديو معنى الجمهور. الصحيفة تحتاج إلى قارئ ونسخة ورقية تصل إلى مكانه، أما البث فيرسل الصوت إلى عدد كبير من الأجهزة في اللحظة نفسها. في ثلاثينيات القرن العشرين كانت أجهزة الاستقبال ما تزال سلعة مكلفة نسبيًا لكثير من الأسر، لكن المقاهي والنوادي والمدارس والمحلات سمحت لأكثر من شخص بالاستماع إلى جهاز واحد. وهكذا أصبح البرنامج الإذاعي حدثًا اجتماعيًا لا علاقة فردية بالسماعة فقط.

قبل افتتاح محطة حكومية محلية كان المستمع في فلسطين يستطيع التقاط محطات إقليمية أو أوروبية بحسب قوة الجهاز والوقت والطقس والتردد. إذاعات القاهرة وبيروت ومحطات أخرى ساهمت في تشكيل ذائقة المستمع، ولذلك لم تبدأ الثقافة الإذاعية من الصفر سنة 1936. الجديد كان وجود خدمة بث تحمل اسم فلسطين وتنتج جدولًا محليًا من الأخبار والموسيقى والمحاضرات والبرامج باللغات المستخدمة رسميًا في عهد الانتداب.

دراسة الإذاعة تحتاج إلى أكثر من الاستماع إلى التسجيلات الناجية، لأن نسبة كبيرة من البث لم تُحفظ صوتيًا. الجداول المنشورة في الصحف، وملفات الإدارة، وصور الاستوديوهات، ومذكرات الموظفين والفنانين تكمل الفراغ. لهذا تعتمد هذه الصفحة على كتاب أندريا ستانتون الأكاديمي عن المحطة وعلى مجموعة ماتسون في مكتبة الكونغرس إلى جانب مواد أرشيفية أخرى.

سياسة البث

لماذا أنشأت حكومة الانتداب محطة رسمية؟

في الثلاثينيات كانت الإذاعة أداة دولة وثقافة في أنحاء الإمبراطورية البريطانية، وكان نموذج هيئة الإذاعة البريطانية مؤثرًا في تصميم خدمات عامة خارج بريطانيا. أرادت الإدارة في فلسطين وسيلة تنقل الأخبار والإعلانات الرسمية وتقدم مواد تعليمية وثقافية وموسيقية، وفي الوقت نفسه تعمل ضمن واقع لغوي وسياسي شديد التعقيد. هذا التداخل بين الخدمة العامة والسيطرة الإدارية جزء أساسي من فهم المحطة.

لا ينبغي وصف المحطة بأنها جهاز دعائي فقط، ولا اعتبارها مؤسسة ثقافية مستقلة تمامًا. كانت مؤسسة حكومية لها رقابة وقواعد وميزانية، لكنها اعتمدت في إنتاج المحتوى على مذيعين وكتاب وموسيقيين محليين كان لكل منهم ذوق وشبكة اجتماعية وطموح مهني. توضح ستانتون أن هذه المساحة سمحت بتكوين ثقافة إذاعية حضرية حتى داخل حدود المؤسسة الاستعمارية.

كما أن تعدد اللغات فرض تنظيمًا معقدًا. البرامج العربية والإنجليزية والعبرية تخاطب جماهير مختلفة جزئيًا، وتتنافس على الوقت والموارد والتمثيل. أفضل قراءة تاريخية لا تفترض أن الأقسام كانت متطابقة أو أن الجمهور استقبلها بالطريقة نفسها؛ بل تدرس كل خدمة وبرنامج وسياق سياسي على حدة.

30 مارس 1936

افتتاح رام الله وبداية البث المنتظم

افتتحت خدمة البث الفلسطينية رسميًا في 30 مارس 1936، ووثقت مجموعة ماتسون في مكتبة الكونغرس مراسم الافتتاح في رام الله. تظهر الصور مسؤولين وتجهيزات مرتبطة بالمحطة، وتمنحنا تاريخًا بصريًا دقيقًا للحظة تحولت فيها خطة إدارية إلى بث يومي. الاسم الإنجليزي Palestine Broadcasting Service اختصر عادة إلى PBS، بينما ارتبطت الخدمة العربية في الذاكرة بعبارة «هنا القدس».

كان جهاز الإرسال في منطقة رام الله جزءًا من البنية التقنية، بينما ارتبط الإنتاج والاستوديوهات بالقدس في مراحل مختلفة. هذا الفصل بين موقع الإرسال وموقع صناعة البرنامج طبيعي في تاريخ الراديو: الصوت يلتقط في استوديو ثم يصل عبر خطوط إلى جهاز الإرسال والهوائيات. الصور التي تركز على برج أو ميكروفون واحد لا تعطي الشبكة كاملة، ولذلك تجمع الصفحة بين مواقع متعددة.

الافتتاح سبق اندلاع المرحلة الكبرى من ثورة 1936–1939 بأسابيع قليلة، ما وضع المؤسسة الجديدة سريعًا أمام بيئة سياسية متوترة. هذه المصادفة الزمنية مهمة لأن وظيفة الأخبار والرقابة لم تكن هامشية، لكنها لم تلغ البرامج الثقافية والموسيقية. منذ البداية عاش الراديو بين السياسة والحياة اليومية.

الاستوديو والمرسل

كيف يتحول الصوت إلى بث؟

داخل الاستوديو يلتقط الميكروفون الصوت ويُضبط مستواه ثم يرسل عبر معدات التحكم إلى المرسل الذي يحوله إلى موجة إذاعية. جودة البث تعتمد على العزل الصوتي والميكروفونات والخطوط والطاقة والهوائي، لا على صوت المذيع وحده. في الثلاثينيات كانت هذه المعدات كبيرة وحساسة وتتطلب مهندسين وفنيين، ولهذا تكشف صور غرف التحكم جانبًا مهنيًا غالبًا ما يغيب عن سرد تاريخ الإعلام.

البث المباشر يجعل الخطأ لحظيًا؛ لا توجد إمكانية مونتاج رقمية لاحقة. على المذيع والموسيقي أن يلتزما التوقيت، وعلى الفني أن يوازن الأصوات بسرعة. الساعة في الاستوديو أداة أساسية لأن البرنامج التالي يجب أن يبدأ في موعده. هذه الانضباطات صنعت مهنة جديدة وأدخلت معايير أداء تختلف عن المسرح أو الحفل التقليدي.

جهاز الاستقبال عند المستمع جزء آخر من القصة. قدرة الراديو على التقاط التردد تتأثر بالهوائي ومصدر الكهرباء ومكان الجهاز. بعض الأجهزة تعمل بالبطاريات، وبعض البيوت لا تملك كهرباء منتظمة، لذلك كان انتشار الاستماع أوسع من عدد الأجهزة عبر المقاهي والاستماع الجماعي. لا يجوز إذًا تحويل أرقام تراخيص الأجهزة، إن وجدت، مباشرة إلى عدد مستمعين.

العربية والإنجليزية والعبرية

محطة واحدة وجماهير متعددة

قدمت الخدمة بثًا بالعربية والإنجليزية والعبرية، وهو ترتيب يعكس اللغات الرسمية في نظام الانتداب وتركيبة المجتمع السياسية. كان لكل قسم موظفون وبرامج وجمهور مستهدف بدرجات مختلفة، ولم تكن المسألة مجرد ترجمة مادة واحدة ثلاث مرات. الموسيقى والأدب والمحاضرات والبرامج التعليمية تتيح لكل قسم بناء نبرة خاصة وشبكة من المشاركين.

في القسم العربي ظهرت أصوات وموسيقيون وكتاب ساهموا في تشكيل فضاء ثقافي فلسطيني وعربي أوسع. الاستوديو يصل بين القدس ونابلس وحيفا ومدن أخرى، كما يمكن أن يستضيف فنانًا من القاهرة أو دمشق أو بيروت. هذه الحركة تجعل الإذاعة جزءًا من المجال الثقافي العربي الحديث لا جزيرة منفصلة.

لكن تعدد اللغات كان أيضًا موضع خلاف سياسي بشأن الوقت والموارد والتسمية. تتعامل الصفحة مع هذه الخلافات بوصفها موضوعًا تاريخيًا موثقًا، وتجنب تحويلها إلى حكم على «أفضل» قسم. ما يمكن إثباته هو أن بنية المحطة جسدت واقع الانتداب المتنازع عليه، وأن الاختلافات في السياسات التحريرية والجدول لها آثار على تجربة الجمهور.

البرنامج العربي

الأدب والمحاضرة والمسرح الصوتي

سمح البث العربي للكتاب والمثقفين بتحويل المقالة والمحاضرة إلى خطاب مسموع. النص الإذاعي يحتاج إلى جمل أقصر وإيقاع واضح لأن المستمع لا يستطيع العودة إلى السطر السابق. هذه الخاصية خلقت أسلوبًا مختلفًا عن الصحافة المطبوعة، وشجعت على برامج ثقافية وتربوية ومقابلات وقراءات أدبية تصل إلى من لا يشتري الجريدة بانتظام.

المسرح الإذاعي بدوره يعتمد على الصوت والمؤثرات بدل الديكور. الممثل يقترب من الميكروفون أو يبتعد، والفني يصنع صوت باب أو شارع، والموسيقى تفصل المشاهد. حتى عندما لا تبقى التسجيلات، تكشف الجداول وأسماء المشاركين عن تجربة فنية مبكرة ساعدت في تدريب أصوات انتقلت لاحقًا إلى محطات عربية أخرى.

تاريخ القسم العربي لا يُكتب من أسماء المشاهير وحدها. هناك محرر ومترجم وناسخ وفني وعازف وموظف أرشيف وعامل صيانة. المؤسسة الثقافية تقوم على هذه المهن التي نادرًا ما تظهر في الصور الرسمية. إحدى فوائد سجلات الموظفين والصور الجماعية أنها تعيد بعض هؤلاء إلى القصة.

الموسيقى

التخت والفرقة والميكروفون

تظهر صور مكتبة الكونغرس مجموعات موسيقية عربية مرتبطة بخدمة البث، بينها فرق تخت وعازفون في الاستوديو أو أمام المبنى. الراديو أعاد ترتيب العلاقة بين الموسيقي والجمهور: لم يعد الحفل محصورًا في القاعة، ويمكن لأداء واحد أن يصل إلى مدن عديدة. لكنه فرض أيضًا مدة محددة وتوازنًا صوتيًا يناسب الميكروفون والبث.

المحطة قدمت أشكالًا موسيقية عربية تقليدية وحديثة، وفتحت بابًا لتبادل أوسع مع موسيقيين من المنطقة. لا يعني وصف الموسيقى بأنها «فلسطينية» أن كل لحن نشأ داخل حدود سياسية؛ الثقافة الموسيقية في بلاد الشام ومصر مترابطة، والفنانين يتنقلون والأسطوانات تنتشر. الأدق هو دراسة من شارك وأين بث البرنامج وكيف تلقاه الجمهور.

أسماء العازفين في كتالوج الصورة قد تكون منقوصة أو مكتوبة بتهجئات إنجليزية مختلفة. لذلك عند عدم اليقين تفضل الصفحة وصف الفرقة كما يسجلها الأرشيف بدل اختراع هوية شخص. هذه قاعدة مهمة خصوصًا لأن الصور القديمة يعاد تداولها كثيرًا بعناوين جديدة غير موثقة.

نساء الميكروفون

الصوت النسائي والعمل الثقافي

فتح الراديو مساحة مهنية لنساء يعملن في التقديم والغناء والتمثيل والتعليم، وإن كانت فرصهن محكومة بمعايير المجتمع والمؤسسة. الصوت يسمح بحضور عام لا يتطلب الظهور البصري، وهو ما جعل البث مجالًا مختلفًا عن المسرح أو الصحافة المصورة. دراسة أسماء المشاركات وجداول البرامج تساعد على فهم كيف تغيرت حدود العمل الثقافي النسائي في المدن.

لا يمكن افتراض أن تجربة كل امرأة كانت واحدة. الطبقة والتعليم والأسرة والمهنة ونوع البرنامج عوامل مهمة، كما أن بعض الأصوات كانت زائرة من بلدان عربية. لذلك تتجنب الصفحة عبارة عامة مثل «حرر الراديو النساء» أو عكسها. الأدق أنه خلق فرصًا جديدة ضمن قيود اجتماعية ومؤسسية بقيت قائمة.

كما يجب الانتباه إلى أن الأرشيف المؤسسي يميل إلى حفظ صور الشخصيات والفعاليات الرسمية أكثر من العمل اليومي. غياب صورة لموظفة لا يعني غيابها من البرنامج، ولهذا تظل الصحف والجداول والمذكرات مصادر مكملة لا غنى عنها.

النشرة

الأخبار بين الخدمة العامة والرقابة

النشرة الإخبارية هي أكثر أجزاء البث اتصالًا بالسلطة. المحطة الحكومية تعتمد على مصادر رسمية وقواعد تحرير، وفي سياق انتداب استعماري وثورة وحرب عالمية تصبح الرقابة قضية مركزية. لذلك لا ينبغي قراءة نشرة PBS باعتبارها سجلًا محايدًا لكل ما حدث؛ هي مصدر يخبرنا بما اختارت المؤسسة قوله وكيف صاغته وفي أي وقت بثته.

في المقابل كان المستمع قادرًا على مقارنة ما يسمعه مع الصحف والمحطات الأجنبية والشائعات والاتصال الشخصي. الراديو لا يملك احتكار الحقيقة لمجرد قوة الإرسال. هذه البيئة الإعلامية المتعددة مهمة لفهم أثر المحطة؛ قد يثق الجمهور في برنامج موسيقي ولا يثق بالقدر نفسه في خبر سياسي.

دراسة الرقابة تعتمد على الملفات الإدارية والتعليمات والشكاوى، لا على افتراض أن كل برنامج دعاية. البرامج التعليمية والموسيقية قد تخضع لمراجعة لكنها تملك مساحة مهنية حقيقية. التوازن بين السيطرة والإبداع من أهم أطروحات الدراسات الحديثة عن خدمة البث الفلسطينية.

الثورة الكبرى

إذاعة تعمل وسط إضراب وثورة

بدأت الثورة الفلسطينية الكبرى سنة افتتاح المحطة، وشهدت البلاد إضرابات ومواجهات وقمعًا عسكريًا بين 1936 و1939. في هذا السياق أصبحت سرعة الخبر مسألة أمنية، وواجهت الإدارة تحديًا في تقديم رواية رسمية بينما ينتشر الحدث في الشارع والصحافة. هذا لا يعني أن الجدول تحول كله إلى سياسة؛ استمرار الموسيقى والمحاضرات جزء من محاولة الحفاظ على بث يومي منتظم.

المحطة نفسها تحتاج إلى موظفين يصلون إلى العمل وخطوط تبقى عاملة وطاقة مستقرة. الاضطراب في الطرق أو الاتصالات يمكن أن يؤثر في الإنتاج مثلما يؤثر في البريد والقطار. لذلك تاريخ الإذاعة جزء من تاريخ البنية التحتية، وليس فقط تاريخ النصوص والأغاني.

عند مناقشة الثورة تستخدم الصفحة التسميات المعروفة في الدراسات الفلسطينية مع الإشارة إلى أن ملفات الإدارة البريطانية قد تستخدم مصطلحات أخرى مثل disturbances. عرض المصطلح الأرشيفي لا يعني اعتماده كتقييم، بل يساعد القارئ على العثور على الوثائق تحت عنوانها الأصلي.

التعليم والخدمة

من المحاضرة إلى الإرشاد العملي

أتاح الراديو للحكومة والمؤسسات تقديم محاضرات تعليمية وإرشادات في الصحة والزراعة والثقافة. البرنامج القصير يمكن أن يصل إلى معلم أو مزارع أو أسرة بعيدًا عن العاصمة، لكنه يفترض وجود جهاز واستماع مناسبين. لذلك كان مفهوم «التعليم عبر الراديو» طموحًا أكثر من كونه بديلًا للمدرسة أو المرشد الميداني.

المواد الزراعية مثال جيد: نصيحة عن مرض نباتي قد تكون مفيدة، لكن تطبيقها يحتاج إلى مادة متوفرة ومعرفة محلية. البرنامج يوسع دائرة المعلومات ولا يحل وحده مشكلات الائتمان والأرض والمياه. هذه الحدود مهمة حتى لا ننسب للتقنية أثرًا أكبر من الأدلة.

أما المحاضرات الأدبية والتاريخية فتساهم في تكوين جمهور يسمع لغة عربية معيارية وأصواتًا من مدن مختلفة. الراديو بذلك وسيلة للتثقيف وفي الوقت نفسه مختبر للغة والأسلوب؛ المذيع يحتاج إلى وضوح يناسب مستمعين تختلف لهجاتهم ومستويات تعليمهم.

القدس

استوديوهات جديدة ومبنى للعمل اليومي

توثق مجموعة ماتسون مداخل واستوديوهات ومجموعات موظفين وفنانين مرتبطة بخدمة البث في القدس. هذه الصور مهمة لأنها تنقلنا من لحظة افتتاح رسمية إلى بيئة العمل: باب يدخل منه الضيف، غرفة يجلس فيها العازفون، ميكروفون أمام المغني، وفنيون خلف المشهد. الاستوديو هو مصنع الصوت، حتى لو بدا هادئًا في الصورة.

التوسع في تجهيزات أواخر الثلاثينيات يعكس نمو حجم الإنتاج والحاجة إلى عزل وتسجيل ومكاتب أكثر تنظيمًا. المبنى الجيد لا يضمن برنامجًا جيدًا، لكنه يتيح استضافة فرق وممثلين ومداخلات متعددة. كما أن موقع الاستوديو في القدس يجعل المحطة قريبة من الوزارات والصحف والمؤسسات الثقافية.

ينبغي التفريق بين الاستوديو والمرسل. بعض الصور توصف باسم PBS في القدس بينما كانت أبراج الإرسال في منطقة رام الله. توضيح هذا الفرق يمنع خلطًا شائعًا في المقالات المصورة التي تنسب كل منشأة إلى الموقع نفسه.

1939–1945

الحرب العالمية الثانية وتوسع أهمية البث

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية ازدادت أهمية الراديو في كل المنطقة بوصفه وسيلة أخبار سريعة. الجيوش والحكومات تستخدم البث لتوجيه الجمهور، والمستمع يبحث عن أخبار جبهات بعيدة تؤثر في الأسعار والتجنيد والسفر. خدمة البث الفلسطينية عملت ضمن هذه البيئة الإمبراطورية، ما زاد حساسية الأخبار والرقابة.

في الوقت نفسه استمرت الحاجة إلى الترفيه والموسيقى. زمن الحرب لا يلغي الحياة اليومية، وقد تكون الأغنية أو المسرحية الإذاعية متنفسًا لجمهور يتابع أخبارًا ثقيلة. هذا التوازن بين الخبر والترفيه جزء من تصميم الجداول في محطات الخدمة العامة عمومًا.

المواد المتاحة لا تسمح بتحويل كل سنة من الحرب إلى إحصاء موحد لساعات البث من دون مراجعة الجداول الأصلية. لذلك تركز الصفحة على الاتجاهات التي توثقها الدراسات والصور وتترك الأرقام التفصيلية لما يمكن إسناده مباشرة إلى وثيقة مؤرخة.

المستمع

المقهى والبيت ومتجر الراديو

من الصعب قياس جمهور الثلاثينيات والأربعينيات بدقة. عدد أجهزة الاستقبال أو التراخيص لا يساوي عدد الآذان؛ جهاز واحد في مقهى قد يستمع إليه عشرات. كما أن الأسرة قد تستمع مع الجيران، وقد يملك شخص جهازًا يلتقط عدة محطات. لذلك يحتاج تاريخ الجمهور إلى إعلانات الصحف ورسائل المستمعين والمذكرات إلى جانب الأرقام الرسمية.

الاستماع الجماعي يؤثر في معنى البرنامج. نشرة الأخبار في مقهى يمكن أن تتحول إلى نقاش سياسي، والأغنية إلى مناسبة اجتماعية، والمباراة أو الحفل إلى تجمع. الراديو جهاز منزلي لكنه أيضًا قطعة أثاث عامة في فضاءات المدينة. هذه الخاصية تفسر أثره الثقافي رغم أن الملكية الفردية لم تكن شاملة.

كان متجر الراديو جزءًا من اقتصاد جديد: بيع الأجهزة والبطاريات والصيانة والهوائيات. الإعلان عن موديل جديد يخاطب طبقة قادرة على الشراء ويعكس صعود ثقافة استهلاك حضرية. في الريف قد تكون الصيانة أو الكهرباء عائقًا أكبر، ما يجعل الوصول غير متساوٍ جغرافيًا.

فضاء عربي

القاهرة وبيروت ودمشق والأثير المشترك

الأثير لا يتوقف عند الحدود السياسية. مستمع القدس يستطيع التقاط محطة من القاهرة، وموسيقي فلسطيني يتأثر بأسطوانة مصرية، وضيف من دمشق قد يظهر في برنامج محلي. لذلك تُفهم PBS ضمن شبكة إذاعية عربية ومتوسطية. المنافسة على الجمهور تشجع تحسين الموسيقى والتقديم والأخبار، وتمنح المستمع بدائل عند عدم رضاه عن محطة ما.

هذا الاتصال الإقليمي يساعد على انتشار أسماء وألحان وأفكار، لكنه لا يمحو الخصوصية المحلية. برنامج عن زراعة الزيتون أو تاريخ القدس يتحدث إلى جمهور له خبرة مباشرة بالمكان. تفاعل المحلي والإقليمي هو ما جعل الإذاعة أداة ثقافية قوية في عصر كانت فيه الصحافة والسفر يربطان المدن أيضًا.

تتبع التأثير يحتاج إلى أدلة، فلا يصح القول إن برنامجًا غيّر الذائقة لمجرد بثه. رسائل القراء ومقالات النقد وانتقال الفنانين وتكرار نوع من البرامج توفر قرائن أفضل. لهذا تميز الصفحة بين ما نعرف أنه بُث وما يمكن فقط افتراض أثره.

نهاية الانتداب

أشهر أخيرة ومحطة عند حافة الانقسام

في 1947–1948 دخلت فلسطين مرحلة حرب أهلية ثم نهاية الانتداب وحرب أوسع. المؤسسات الحكومية واجهت الانسحاب البريطاني وتدهور الأمن وتغير السيطرة على الطرق والمباني. محطة البث التي اعتمدت على سلطة الانتداب وميزانيته وشبكته لم تستطع الاستمرار بالشكل نفسه بعد انتهاء النظام السياسي الذي أنشأها.

النهاية لم تكن نهاية للخبرة الإذاعية. موظفون وفنانون وتقنيون حملوا مهاراتهم إلى مؤسسات ومحطات أخرى، وبعض المواد والأسماء استمر في الإعلام العربي لاحقًا. لكن الأرشيف تشتت مثل أرشيفات فلسطينية كثيرة، وما بقي من تسجيلات وصور وجداول لا يمثل بالضرورة كل ما بث خلال اثنتي عشرة سنة.

لهذا تتوقف الصفحة عند 1948 وتحذر من إسقاط مؤسسات لاحقة على PBS. بعد ذلك ظهرت إذاعات تحت سلطات سياسية مختلفة في القدس ورام الله ومناطق أخرى، وهو تاريخ مستقل يحتاج إلى حدود ومصادر جديدة.

الأرشيف

كيف نعيد بناء صوت لم يُسجَّل كله؟

المفارقة أن تاريخ الراديو قد يكون صامتًا؛ التسجيل المغناطيسي والحفظ المنظم لم يشملا كل بث، والاسطوانات والمواد المسجلة قد تفقد أو تتشتت. لذلك يعتمد المؤرخ على «آثار» الصوت: جدول في صحيفة، صورة عازف أمام ميكروفون، عقد موظف، رسالة مستمع، أو نص محاضرة. كل واحد من هذه المصادر يثبت جزءًا لا الكل.

كتاب أندريا ستانتون مهم لأنه يجمع ملفات إدارية وثقافية ويحلل المحطة بوصفها مؤسسة دولة ومساحة ثقافية في آن. مكتبة الكونغرس تكمل النص بصور افتتاح رام الله والاستوديوهات والفرق. الفيلم الوثائقي «This Is Jerusalem» يجمع شهادات ومواد لاحقة، لكنه يظل عملًا وثائقيًا يجب مقارنته بالمصادر الأصلية لا استبدالها.

عند استخدام فيديو منشور على يوتيوب تميز الصفحة بين النسخة المتاحة والمنشأ التاريخي للمادة. رابط يعمل اليوم قد يحذف غدًا بسبب حقوق النشر، ولذلك تبقى المراجع النصية والصور المؤسسية أساس التحقق. الفيديو إضافة للتجربة لا المصدر الوحيد لرقم أو تاريخ.

الإرث

اثنتا عشرة سنة صنعت ذاكرة طويلة

استمرت خدمة البث الفلسطينية اثنتي عشرة سنة فقط، لكنها ظهرت في لحظة صار فيها الراديو وسيطًا جماهيريًا رئيسيًا. المحطة دربت أصواتًا وتقنيين وموسيقيين، وربطت البرنامج الثقافي بالبيت والمقهى، وجعلت عبارة افتتاحية مثل «هنا القدس» جزءًا من الذاكرة الإعلامية. الأثر لا يقاس بطول العمر المؤسسي وحده.

كما تكشف القصة تناقضات الإعلام العام تحت الاستعمار: مؤسسة تخضع للحكومة ويمكن أن تمارس الرقابة، وفي داخلها يعمل مثقفون وفنانون يصنعون ثقافة حقيقية ويتواصلون مع جمهور محلي. لا يحتاج المؤرخ إلى اختيار وصف واحد وإلغاء الآخر؛ كلا البعدين موثقان ويجب فهم تفاعلهما.

وأخيرًا، يمنحنا الراديو طريقة لسماع التاريخ حتى عندما لا يبقى الصوت نفسه. صورة الميكروفون، اسم العازف، موعد البرنامج ونص المحاضرة تسمح بإعادة بناء غرفة كان فيها أشخاص يتحدثون إلى جمهور لا يرونه. هذه المسافة بين الاستوديو والمستمع هي جوهر الثورة التي أحدثها البث في فلسطين قبل 1948.

كما تساعد الإعلانات التجارية الخاصة بأجهزة الراديو والبطاريات وخدمات التصليح في تقدير انتشار ثقافة الاستماع. الإعلان لا يخبرنا بعدد المشترين فعليًا، لكنه يثبت وجود سوق ومنافسة بين موديلات وأسعار ويكشف اللغة التي استخدمها التجار لإقناع الجمهور. ويمكن مقارنة هذه الإعلانات بعناوين متاجر في أدلة المدن وصور المقاهي لتكوين صورة أكثر واقعية عن أين كان الجهاز موجودًا ومن يستطيع الحصول عليه. هكذا يصبح تاريخ الراديو تاريخًا للاستهلاك والعمل والصيانة أيضًا، لا تاريخ برامج ومذيعين فقط.

وتبقى مسألة اللغة المنطوقة نفسها مصدرًا تاريخيًا. المذيع يختار مستوى لغويًا يستطيع جمهور واسع فهمه، ويوازن بين الفصحى وأسماء الأماكن والنطق المتداول، بينما يفرض البث المباشر دقة في الأسماء والأرقام. ملاحظات المستمعين والنقاد على النطق والأسلوب تكشف توقعات جديدة عن العربية المسموعة في الفضاء العام. هذه التفاصيل تبدو صغيرة، لكنها توضح كيف ساهم الراديو في جعل الصوت المهني جزءًا من الحياة الحديثة، وكيف أصبح الأداء اللغوي نفسه موضوعًا للنقد والتدريب والمقارنة بين المحطات.

جدول البرامج

الصحيفة والراديو: كيف عرف المستمع ماذا سيُبث؟

كان جدول البرامج حلقة وصل بين الإذاعة والجمهور. الصحف تنشر مواعيد النشرات والموسيقى والمحاضرات، ويستطيع المستمع أن يقرر متى يشغل الجهاز أو يجتمع مع آخرين. هذه الجداول مهمة للباحث اليوم لأنها تحفظ أثر برامج لم يبق تسجيلها. من تكرار العناوين والأسماء يمكن قياس حضور نوع موسيقي أو سلسلة تعليمية، ومن تغير الساعة يمكن ملاحظة تعديل السياسة أو توسع البث دون الاعتماد على الذاكرة وحدها.

العلاقة بين الصحافة والراديو لم تكن تنافسًا بسيطًا. الجريدة تعلن البرنامج وتنتقده وتنشر صورة المذيع، والراديو يقرأ الأخبار ويستضيف كتابًا معروفين من الصحافة. بعض الجمهور يحصل على الخبر من الصوت ثم يبحث في الجريدة عن التفاصيل، أو يقرأ تعليقًا صحفيًا على أداء سمعه الليلة السابقة. بذلك تشكل فضاء إعلامي متداخل يجمع الورق والأثير والمقهى والبيت.

النقد المنشور يسمح أيضًا برؤية المستمع لا المؤسسة فقط. رسالة إلى محرر قد تعترض على اختيار موسيقي أو خطأ لغوي أو توزيع ساعات، ومقال ثقافي قد يمدح محاضرة ويطلب إعادتها. لا تمثل الرسائل كل الجمهور، لأن الكاتب القادر على الوصول إلى الصحيفة فئة محددة، لكنها تثبت أن الاستماع لم يكن تلقيًا سلبيًا دائمًا وأن الناس طوروا توقعات حول جودة الخدمة العامة.

منهجيا، يفيد جدول البرنامج في ضبط التاريخ. إذا نُسبت أغنية أو محاضرة إلى سنة بعينها يمكن مقارنة الادعاء بصفحة الجريدة أو سجل المحطة. هذا أكثر أمانًا من الاعتماد على مقطع معاد النشر بلا تاريخ. ولهذا يمثل أرشيف الصحف، حتى عندما لا يحتوي على صوت، أحد أهم الطرق لإعادة بناء تاريخ إذاعة فقدت نسبة كبيرة من تسجيلاتها الأصلية.

شاهد

فيديوهات موثوقة للسياق التاريخي

اخترنا المواد المرئية أدناه لأنها متاحة حاليًا على قنوات معروفة أو أرشيفية وتقدّم سياقًا بصريًا يساعد على قراءة الوثائق والصور. تبقى المصادر المكتوبة والأرشيفية في أسفل الصفحة المرجع الأساسي للتحقق من التفاصيل.

Palestine TV / documentary film

This Is Jerusalem — Documentary on Palestine Broadcasting Service

فيلم وثائقي عن إذاعة «هنا القدس» وخدمة البث الفلسطينية، يتضمن مواد وصورًا وشهادات عن المحطة. يُستخدم إلى جانب المصادر الأكاديمية والأرشيفية.

Palestine Diary / Lumière footage

Palestine 1896 — من أقدم اللقطات السينمائية

فيديو سياقي يعرض فلسطين قبل عصر الإذاعة بأربعة عقود تقريبًا، ويساعد على تصور التحول من الصورة المتحركة المبكرة إلى الوسائط الجماهيرية الحديثة.

المصادر

المصادر والمراجع

بُني هذا المقال على مراجع أرشيفية ومؤسسات بحثية ومصادر أولية أو مجموعات رقمية يمكن الرجوع إليها. الروابط أدناه مقصودة للقراءة المتعمقة، وللتأكد من التواريخ والصور والسياقات الواردة في النص.

ملاحظة الأرشيف

التاريخ هنا قابل للتحقق والتوسّع.

لأن جزءًا كبيرًا من البث المباشر لم يُحفظ صوتيًا، تعيد الصفحة بناء تاريخ المحطة من دراسة أكاديمية وملفات وصور وجداول وشهادات. الصور المضمنة مرتبطة بسجلات مكتبة الكونغرس، والفيديو الوثائقي مصدر سياقي مكمل لا بديل عن الوثيقة المعاصرة.