التاريخ الاجتماعي والثقافي
التعليم في فلسطين
1850–1948: المدارس والمعلمون والكلية العربية
من الكتاتيب والمدارس الدينية والعثمانية والإرسالية إلى نظام تعليم مركزي تحت الانتداب، كانت المدرسة واحدة من أهم ساحات تشكيل المجتمع الفلسطيني الحديث. هنا نقرأ صعود التعليم، وفجوة المدينة والريف، وتعليم البنات، والكلية العربية في القدس، وخضوري طولكرم، والمناهج والكتب والطلاب حتى الانقطاع الكبير سنة 1948.

مدارس حكومية عربية
514
سجل نظام التعليم العربي الحكومي 514 مدرسة في 1945–1946 بحسب دراسة إصلاح جاد المستندة إلى إحصاءات الفترة.
تلاميذ حكوميون
81,042
بلغ مجموع التلاميذ في المدارس الحكومية العربية 81,042 في 1945–1946، منهم 16,506 فتيات.
الكلية العربية
1918–1948
كانت الكلية العربية في القدس أعلى مؤسسات التعليم الحكومي العربي وأحد أهم مراكز إعداد المعلمين والنخبة التعليمية.
خضوري طولكرم
1930s
أنشئت المدرسة الزراعية الخضورية في طولكرم لتدريب طلاب عرب على الزراعة الحديثة والمعرفة التطبيقية.
الكتّاب والمدرسة الدينية والمدرسة النظامية
في منتصف القرن التاسع عشر لم تكن فلسطين بلا تعليم، لكن المؤسسات والفرص كانت مختلفة جذريًا عن نظام المدرسة الجماهيرية الحديث. تعلّم أطفال في الكتاتيب القراءة والكتابة ومبادئ الحساب والقرآن، ووجدت مدارس مرتبطة بالكنائس والأديرة والأوقاف، كما تلقى أبناء بعض العائلات تعليمًا خاصًا. كان الوصول متفاوتًا بحسب المدينة والقرية والطبقة والجنس، ولم تكن الدولة تقدم مقعدًا إلزاميًا لكل طفل. لذلك ينبغي الحذر من قياس المجتمع بمعيار التعليم الإلزامي المعاصر ثم وصف كل ما قبله بالغياب.
مع إصلاحات التنظيمات العثمانية توسعت فكرة المدرسة الحكومية النظامية. قانون المعارف العثماني لسنة 1869 كان جزءًا من محاولة بناء تسلسل للتعليم وتوسيع إشراف الدولة، وظهرت مدارس ابتدائية ورشدية وإعدادية في مراكز مختلفة. التطبيق لم يكن متساويًا، والموارد محدودة، لكن حضور الدولة ازداد. أصبح التعليم وسيلة لإعداد موظفين وضباط ومعلمين قادرين على العمل في جهاز إداري يتوسع، وبدأت الشهادة واللغة والمعرفة الرسمية تكتسب قيمة اقتصادية جديدة.
اللغة نفسها كانت سؤالًا مهمًا. عاش الفلسطينيون في دولة عثمانية متعددة اللغات، وكان التعليم المحلي يستخدم العربية بدرجات مختلفة بينما اكتسبت التركية العثمانية أهمية لمن يرغب في وظائف الإدارة والدراسة العليا. إلى جانب ذلك أدخلت مدارس أجنبية لغات مثل الفرنسية والإنجليزية والألمانية والروسية. الطالب في القدس أو يافا الذي يدخل مدرسة إرسالية قد يفتح أمامه مسارًا ثقافيًا وتجاريًا مختلفًا تمامًا عن طفل في قرية صغيرة يدرس سنوات محدودة في كتاب محلي.
هذا التنوع خلق طبقة متعلمة جديدة من المعلمين والموظفين والصحفيين والأطباء والتجار، وستصبح لاحقًا عنصرًا في الصحافة والحركة الوطنية. المدرسة لم تعلم القراءة فقط؛ علمت الطلاب التعامل مع الخرائط والامتحانات والجداول والكتب المطبوعة والانضباط الزمني. هذه الأدوات تبدو عادية اليوم، لكنها جزء من التحول نحو المجتمع الحديث الذي عرفته فلسطين في العقود الأخيرة من الحكم العثماني.
شبكة متعددة: تعليم لا تديره الدولة وحدها
شهد القرن التاسع عشر توسع مدارس تابعة لطوائف وكنائس وإرساليات أوروبية وأمريكية ومؤسسات محلية. في القدس ويافا وبيت لحم والناصرة وحيفا ومدن أخرى أسست جهات كاثوليكية وأرثوذكسية وبروتستانتية ومدارس روسية وفرنسية وألمانية مؤسسات تستقبل الطلاب والطالبات. اختلفت أهدافها بين التعليم الديني والعمل التبشيري وخدمة الطائفة وتوسيع النفوذ الثقافي، لكنها أضافت إلى المشهد الفلسطيني مناهج ولغات ومختبرات وكتبًا وأشكالًا جديدة من الإدارة المدرسية.
لم تكن العلاقة بين السكان وهذه المدارس مجرد استقبال سلبي للتأثير الأجنبي. العائلات اختارت المدارس أحيانًا لأسباب عملية: جودة التعليم، تعلم لغة تجارية، إمكان الوصول إلى جامعة أو وظيفة، أو وجود مدرسة للبنات حين تكون الخيارات الحكومية محدودة. بعض الخريجين استخدموا المعرفة التي حصلوا عليها لبناء صحافة وجمعيات ومؤسسات عربية محلية. بذلك يمكن للمؤسسة أن تحمل هدفًا تبشيريًا أو إمبراطوريًا وفي الوقت نفسه تنتج نتائج اجتماعية يتصرف فيها الطلاب بطرق لم يخطط لها المؤسسون.
تنافست الطوائف والجهات على التعليم، وهو تنافس شجع أحيانًا على افتتاح مدارس جديدة وتحسين القائم منها. كما ظهرت مبادرات أهلية عربية تسعى إلى تقليل الاعتماد على المدارس الأجنبية وصنع تعليم يعكس اللغة والثقافة المحلية. هذا المسار سيزداد وضوحًا في أوائل القرن العشرين مع نمو الصحافة والجمعيات والوعي السياسي، حين أصبح السؤال ليس فقط هل توجد مدرسة؟ بل من يحدد المنهج ومن يمولها وما اللغة والتاريخ اللذان يتعلمهما الطفل؟
يُظهر هذا التاريخ أن عبارة نظام التعليم الفلسطيني قبل 1948 لا تعني مؤسسة واحدة. كانت هناك مدارس حكومية ومدارس إسلامية خاصة ومسيحية خاصة ومؤسسات طائفية وأهلية، إلى جانب النظام العبري الذي تطور منفصلًا بدرجة متزايدة في عهد الانتداب. هذه التعددية توسع الخيارات لبعض السكان لكنها تجعل الإحصاء والتمويل والجودة غير متساوية، وهو ما يجب أخذه في الاعتبار حين نقارن نسب الالتحاق بين الفترات.
الحرب العالمية الأولى وانقطاع ثم إعادة بناء
ألحقت الحرب العالمية الأولى ضررًا واسعًا بالحياة التعليمية. التجنيد والمجاعة والأوبئة والنزوح ومصادرة الموارد أثرت في الأسر والمدارس، وتعطلت مؤسسات أو قل حضور الطلاب والمعلمين. بعض المدارس الأجنبية أغلقت أو تغير وضعها بسبب انتماء الدولة التي تديرها إلى طرف معادٍ في الحرب. حين احتلت القوات البريطانية فلسطين 1917–1918 ورثت شبكة تعليمية متضررة وغير متساوية، وبدأت الإدارة العسكرية ثم المدنية إعادة تنظيمها.
أسست السلطات البريطانية إدارة للتعليم ووسعت المدارس الحكومية العربية تدريجيًا، مستخدمة العربية لغة أساسية مع إدخال الإنجليزية في مراحل معينة. كانت هناك حاجة كبيرة إلى المعلمين، ولذلك أخذ تدريب المعلمين أهمية خاصة. نشأت الكلية العربية في القدس من مؤسسات إعداد المعلمين التي بدأت بعد الحرب، ثم تطورت إلى أعلى مستوى في النظام الحكومي العربي. هذا المسار جعل التعليم بوابة لوظائف الحكومة والمدرسة والصحافة والإدارة.
لكن إعادة البناء جرت داخل نظام الانتداب لا داخل دولة فلسطينية مستقلة. كانت بريطانيا تتحكم مباشرة في ميزانية ومناهج وتعيينات النظام العربي الحكومي، بينما تمتع النظام التعليمي اليهودي/العبري بدرجة أوسع من الإدارة الذاتية المؤسسية. هذا الاختلاف سيصبح موضوع نقد فلسطيني مستمر لأن التعليم ليس خدمة محايدة: من يدير المدرسة يملك قدرة على تحديد اللغة والتاريخ والجغرافيا والفرص المهنية.
كما أن التوسع كان أبطأ من الطلب الاجتماعي. الأسر رأت قيمة التعليم بصورة متزايدة، والقرى طالبت بفتح مدارس، لكن الميزانيات والمباني والمعلمين لم تكفِ لاستيعاب كل الأطفال. لذلك يمكن أن تسجل الإحصاءات نموًا كبيرًا وفي الوقت نفسه تبقى نسبة واسعة خارج المدرسة. فهم هذا التناقض ضروري لتقييم عهد الانتداب بعيدًا عن روايتي النجاح الكامل أو الإهمال المطلق.
سبع سنوات هنا وأربع هناك: كيف عمق النظام فجوة المكان؟
توضح دراسة إصلاح جاد عن التعليم في عهد الانتداب أن الفرق بين المدينة والريف كان بنيويًا. في مراحل من النظام الحكومي كانت المدرسة الحضرية تقدم سنوات تعليم أكثر من المدرسة القروية، وتذكر الدراسة نموذجًا شائعًا لسبع سنوات في المدن مقابل أربع في القرى. هذا يعني أن طفلين في العمر نفسه يمكن أن يبدآ المدرسة الحكومية ثم يحصل أحدهما بحكم مكان السكن على طريق أطول إلى الثانوية والوظيفة.
واجهت القرى أيضًا أعباء مالية في بناء المدارس وتجهيزها. تشير الدراسة إلى أن الإدارة طالبت قرى فقيرة بالمساهمة في نسبة كبيرة من كلفة الأبنية والمعدات، وهو شرط يصعب تحقيقه في مجتمع زراعي يعاني من الديون وتقلب المحاصيل. إذا لم تستطع القرية جمع المال قد يتأخر افتتاح المدرسة، فتتحول محدودية الدخل المحلي إلى محدودية في رأس المال التعليمي للجيل التالي.
كان تعلم الإنجليزية مثالًا آخر على التفاوت. اللغة تمنح فرصة لوظائف في إدارة الانتداب وللوصول إلى تعليم أعلى، لكن فرص تعلمها كانت أقوى في المدارس الحضرية والمراحل المتقدمة. بذلك يعيد النظام إنتاج الفارق: المدينة تقدم تعليمًا أطول ولغة إضافية وشبكة وظائف، والريف يقدم سنوات أقصر ثم يدفع الطفل سريعًا إلى العمل الزراعي. لم تكن هذه النتيجة مطلقة، فقد خرج معلمون وقادة من قرى، لكنها اتجاه عام موثق.
طالب القرويون بالتعليم ولم يكونوا معادين للمدرسة كما توحي بعض التصورات الاستعمارية. الرسائل والطلبات المحلية تشير إلى رغبة في فتح مدارس وزيادة الصفوف. الأسرة قد تضحي بعمل الطفل لأنها ترى في التعليم مستقبلًا، لكن قدرتها تعتمد على الدخل والمسافة. لذلك فإن نقص الالتحاق في الريف لا يفسر بثقافة رافضة وحدها؛ يجب النظر إلى عرض المقاعد والكلفة والطرق والحاجة الاقتصادية للعمل.
الفتيات في المدرسة: نمو حقيقي وفجوة بقيت واسعة
توسع تعليم البنات خلال أواخر العهد العثماني والانتداب، مدفوعًا بمدارس الإرساليات والجمعيات والمدارس الحكومية والطلب العائلي المتزايد. ظهرت معلمات ومديرات مدارس وناشطات استخدمن التعليم للدخول إلى العمل العام. لكن الفجوة مع البنين بقيت كبيرة، خصوصًا في الريف حيث كانت مدرسة البنات أقل توفرًا والمسافة والاعتبارات الاجتماعية والكلفة تحد من الاستمرار.
تقدم أرقام 1945–1946 صورة واضحة للنظام الحكومي العربي: من أصل 81,042 تلميذًا وتلميذة كان عدد الفتيات 16,506، أي 20.3 في المئة تقريبًا. هذا الرقم يظهر إنجازًا مقارنة ببدايات القرن، لكنه يثبت أن أربعة أخماس المسجلين في المدارس الحكومية كانوا من البنين. وإذا أضفنا المدارس الخاصة تتغير الأعداد والتوزيعات، لكن عدم المساواة في الفرص يبقى حقيقة أساسية.
لم يكن المنهج نفسه محايدًا تجاه الجنس. كثير من مدارس البنات ركزت على مواد منزلية إلى جانب التعليم الأكاديمي، استنادًا إلى تصور أن دور الطالبة المستقبلي أساسًا في الأسرة. بعض المعلمات والناشطات استفدن من هذه المؤسسات ثم وسعن حدود الدور المتوقع، فتحول التعليم إلى أداة مزدوجة: قد يعيد إنتاج فكرة اجتماعية تقليدية، لكنه يمنح الفتاة في الوقت نفسه القراءة وشبكة صديقات ومعلمات وقدرة على العمل والتنظيم.
صورة مدرسة اتحاد السيدات العربيات في المصرارة توضح كيف دخل المجتمع المدني إلى المساحة التي لا يغطيها النظام الحكومي. الجمعيات النسائية لم تطالب بالتعليم فقط؛ أدارت مدارس فعلية. ولذلك ترتبط قصة تعليم البنات بتاريخ الحركة النسائية. الناشطة التي تعلمت في مدرسة قد تصبح معلمة ثم تنشئ جمعية أو تشارك في مؤتمر، فتتحول المدرسة إلى مؤسسة سياسية بطريقة غير مباشرة.
قمة الهرم التعليمي الحكومي في القدس
كانت الكلية العربية في القدس من أبرز مؤسسات التعليم العربي في عهد الانتداب. بدأت جذورها في مؤسسة لإعداد المعلمين بعد 1918 وتطورت تدريجيًا إلى كلية حكومية تقدم تعليمًا متقدمًا وتدريبًا للمعلمين، وأصبحت طريقًا لعدد محدود من الطلاب المتفوقين من مناطق مختلفة. ارتبط اسمها بمربين مثل أحمد سامح الخالدي، وأسهم خريجوها في المدارس والإدارة والثقافة الفلسطينية والعربية.
تكمن أهمية الكلية في موقعها داخل نظام محدود المقاعد. الطالب الذي يصل إليها يكون قد تجاوز سلسلة من الحواجز: وجود مدرسة في قريته أو مدينته، الاستمرار بعد المرحلة الأولية، النجاح في الامتحانات، والقدرة على تحمل كلفة الدراسة أو السكن إن كان بعيدًا. لذلك كانت الكلية تنتج نخبة تعليمية صغيرة مقارنة بحجم المجتمع. هذا يفسر لماذا حمل المعلم مكانة اجتماعية عالية؛ الوصول إلى المهنة نتيجة مسار لا يتاح للجميع.
تطورت الامتحانات والشهادات في العشرينيات، وتشير ذكريات منشورة عن الكلية إلى تنظيم امتحان المترك العام منذ صيف 1926 تقريبًا في سياق بناء التعليم الثانوي. الامتحان يوحد معيارًا للطلاب ويساعد على الالتحاق بالتعليم الأعلى، لكنه كذلك يحول المنهج إلى سباق على الشهادة. بدأ الطلاب والصحافة مناقشة جودة المناهج وفرص الدراسة الجامعية، وأصبح النجاح التعليمي جزءًا من طموح الطبقة الوسطى الفلسطينية.
توثق صور ماتسون مسابقات رياضية بين مدارس المديريات على أرض الكلية في 1940 و1942. هذه الصور تكشف جانبًا لا يظهر في الكتب: المدرسة مؤسسة للحياة الاجتماعية والرياضة والانضباط الجماعي، وليست صفوفًا وامتحانات فقط. تجمع طلاب من مناطق مختلفة يخلق معرفة وشبكات قد تستمر بعد التخرج، ويسهم في تكوين هوية تتجاوز المدينة أو القرية الأصلية.
المعلم الفلسطيني بين الوظيفة والمهنة والرسالة العامة
كان المعلم محور توسع التعليم لأن بناء مدرسة من دون كادر مدرب لا يخلق نظامًا. عملت مؤسسات تدريب المعلمين على إعداد شباب للتدريس في المدن والقرى، وكانت الحكومة تنقل المعلمين بين المواقع بحسب الحاجة. الوظيفة الحكومية تمنح راتبًا ومكانة، لكنها تضع المعلم أيضًا تحت لوائح الإدارة ومراقبة المنهج والنشاط السياسي. في مجتمع تتصاعد فيه الحركة الوطنية، وجد بعض المعلمين أنفسهم بين واجب الوظيفة ومواقفهم السياسية.
المعلم في القرية قد يكون واحدًا من أكثر السكان تعليمًا، فيكتب الرسائل ويقرأ الصحف ويساعد في معاملات رسمية إلى جانب التدريس. بهذا يصبح المدرسة نقطة اتصال بين القرية والعالم الإداري والوطني الأوسع. وقد لعب معلمون دورًا في النوادي والجمعيات والحركة الكشفية. هذه الوظائف غير الرسمية تجعل أثر التعليم أكبر من عدد الطلاب المسجلين؛ المعرفة تنتقل من الصف إلى أسر كاملة.
في المقابل كانت ظروف العمل صعبة في مدارس كثيرة: مبانٍ بسيطة، صفوف متعددة المستويات، نقص كتب وتجهيز، وعدد كبير من الطلاب. المعلم الذي يدير عدة صفوف أو مواد يحتاج إلى مهارة عملية عالية. وتظهر سجلات التعليم أن الدولة حاولت توحيد التفتيش والاختبارات، لكن الجودة ظلت متفاوتة بشدة بين المدارس.
أنتجت المهنة كذلك كتّابًا ومؤرخين وصحفيين. التعليم والكتابة مترابطان؛ من يعرف المنهج واللغة والتاريخ يستطيع أن يساهم في الصحافة وتأليف الكتب. لذلك كان النقاش حول المعلم نقاشًا حول من يصوغ الذاكرة الوطنية. في الثلاثينيات والأربعينيات صار المدرسون جزءًا مهمًا من المجال الثقافي الفلسطيني حتى عندما كانت الإدارة تريد حصرهم في وظيفة فنية.
خضوري طولكرم: محاولة ربط المدرسة بالأرض والتقنية
أنشئت المدرسة الزراعية الخضورية في طولكرم بأموال وصية السير إليس كادوري، وافتتحت في أوائل الثلاثينيات لتعليم الطلاب العرب الزراعة بصورة منهجية. اختير موقع في منطقة زراعية خصبة، وشملت الفكرة الجمع بين الدراسة العلمية والعمل في الحقول والمختبرات. في اقتصاد يعتمد جزء كبير منه على الزراعة كان هذا النوع من التعليم يبدو وسيلة لتحسين الإنتاج وإدخال تقنيات جديدة.
لكن التعليم الزراعي في السياسة البريطانية حمل نقاشًا أوسع. بعض مسؤولي الانتداب رأوا أن تعليم أبناء الريف يجب أن يبقيهم مرتبطين بالأرض بدل دفعهم إلى الوظائف المكتبية والمدن، وهو تصور يحمل بعدًا طبقيًا واستعماريًا. في المقابل يستطيع الطالب أن يستخدم المعرفة الزراعية لتطوير مزرعته أو العمل في مهنة تقنية. لذلك لا يمكن الحكم على المؤسسة من نية الإدارة وحدها؛ يجب النظر أيضًا إلى ما فعله الطلاب والخريجون بالمعرفة.
توثق مكتبة الكونغرس مباني المدرسة بين نحو 1930 و1933، وتظهر عمارة حديثة نسبيًا ومساحات مفتوحة. الصورة مهمة لأنها تضع التعليم الزراعي في مكان مادي واضح، لا كمقترح في تقرير. المدرسة تحتاج إلى أرض ومختبر ومياه وأدوات وحيوانات ومحاصيل للتجربة، أي أن كلفة الطالب فيها أعلى من صف ابتدائي بسيط. هذا أحد أسباب بقاء التعليم التقني محدودًا نسبيًا.
خضوري استمرت بعد 1948 وتحولت لاحقًا إلى مؤسسة جامعية ضمن مسار طويل، لكن جذورها في الانتداب تذكر بأن الفلسطينيين قبل النكبة كانوا يبنون خبرات في الزراعة الحديثة والهندسة التطبيقية. حين ندرس الاقتصاد الفلسطيني ينبغي إدخال هذه المؤسسات إلى الصورة إلى جانب التجارة والصناعة، لأنها كانت تحاول إنتاج كوادر قادرة على تحويل المعرفة العلمية إلى ممارسة محلية.
من يكتب التاريخ الذي يتعلمه الطالب؟
كانت المناهج إحدى أكثر ساحات التعليم حساسية سياسيًا. التاريخ والجغرافيا لا يقدمان معلومات فقط؛ يعرّفان الطالب بمن هو، وما حدود بلاده، وما الماضي الذي ينتمي إليه. يوضح كتاب يوني فوراس عن تعليم التاريخ في فلسطين الانتدابية أن التربويين الفلسطينيين والصهاينة والإدارة البريطانية تابعوا مناهج بعضهم بعضًا، وأن كتابة التاريخ المدرسي أصبحت جزءًا من تشكل الهويات الوطنية.
سيطرت إدارة التعليم البريطانية على النظام العربي الحكومي وعلى الكتب والمناهج بدرجة كبيرة، وهو ما أثار نقدًا من المربين الوطنيين. كان على المعلم أن يعمل داخل مقرر رسمي بينما يعيش الطلاب واقعًا سياسيًا يتحدث فيه المنزل والصحيفة عن وعد بلفور والهجرة والثورة. هذه المسافة بين النص المدرسي والشارع تجعل الصف مكان تفاوض، لا غرفة ينقل فيها المعلم ما كتبته الإدارة بطريقة آلية.
الكتب نفسها موارد نادرة ومكلفة. توسع الطباعة والصحافة في فلسطين وبلاد الشام وفر مواد قراءة أكثر، وأصبحت المكتبة المدرسية والصحيفة وسيلتين لتجاوز الكتاب المقرر. الطالب القادر على القراءة يستطيع الوصول إلى نقاشات تاريخية وسياسية خارج الصف، وهو ما ربط ارتفاع محو الأمية بنمو المجال العام. لذلك لا يمكن فصل تاريخ المدرسة عن تاريخ الطباعة والصحافة الفلسطينية.
كما أن تعلم الإنجليزية أتاح لبعض الطلاب قراءة مراجع أجنبية والدراسة في جامعات خارج فلسطين، بينما بقيت العربية مركز الهوية الثقافية والتعليمية. التعدد اللغوي يمكن أن يكون قوة معرفية، لكنه كان موزعًا بصورة غير متساوية. من هنا ارتبطت اللغة بالطبقة والموقع؛ الطالب الحضري في مدرسة متقدمة يمتلك فرصًا لغوية أكبر من طفل ينهي تعليمه في مدرسة قرية بعد سنوات قليلة.
514 مدرسة حكومية و81 ألف تلميذ: ماذا تقول إحصاءات 1945–1946؟
في السنوات الأخيرة من الانتداب اتسع التعليم العربي الحكومي إلى مستوى غير مسبوق، وتقدم دراسة إصلاح جاد جدولًا ل1945–1946 يسجل 514 مدرسة حكومية، و2,156 معلمًا، و64,536 تلميذًا من البنين و16,506 من البنات، أي 81,042 تلميذًا وتلميذة. هذه أرقام كبيرة مقارنة ببدايات الحكم البريطاني، وتثبت أن جيلًا واسعًا دخل المدرسة.
لكن الرقم لا يعني تعميم التعليم. بقيت طلبات التحاق لا تجد مقاعد، واستمرت الفجوة بين المدينة والريف وبين البنين والبنات. إذا كان عدد الفتيات 20.3 في المئة من تلاميذ النظام الحكومي فهذا يعني أن التوسع لم يزل عدم المساواة. كما أن سنوات الدراسة تختلف، فوجود طفل في الصف الأول لا يضمن وصوله إلى الثانوية. ينبغي دائمًا قراءة رقم التسجيل بجانب مدة الدراسة والتسرب وجودة المدرسة.
إلى جانب المدارس الحكومية سجلت الفترة مدارس خاصة إسلامية ومسيحية بعشرات الآلاف من التلاميذ. تشير بيانات 1944–1945 الواردة في الدراسة إلى 131 مدرسة خاصة إسلامية تضم 14,649 تلميذًا، و182 مدرسة مسيحية خاصة تضم 29,234. هذه الأعداد تبرز وزن التعليم الأهلي والديني، وتوضح لماذا لا يمكن تقييم المجتمع اعتمادًا على ميزانية الحكومة وحدها.
تساعد وثيقة المسح الرسمي لفلسطين المعدة للجنة التحقيق الأنغلو-أمريكية في 1945–1946 على التحقق من كثير من هذه المؤشرات ضمن صورة أوسع للإدارة والاقتصاد. الأرقام الرسمية مفيدة لكنها ليست محايدة تمامًا؛ الإدارة تختار ما تعده وكيف تصنف المدارس والسكان. لذلك من الأفضل مقارنتها بدراسات المؤرخين وسجلات المدارس والمذكرات، وهو الأسلوب الذي اتبعناه هنا.
الإضراب والثورة والحرب داخل يوم الطالب
لم تكن المدرسة معزولة عن اضطرابات الثلاثينيات. خلال الثورة الفلسطينية الكبرى 1936–1939 تأثرت الطرق والحضور بالاحتجاجات والإضرابات والعمليات العسكرية، وراقبت الإدارة نشاط المعلمين والطلاب. تظهر صورة أرشيفية كاشفًا ضوئيًا للمهندسين الملكيين البريطانيين مثبتًا على الكلية العربية سنة 1936، وهي صورة شديدة الدلالة: مؤسسة تعليمية أصبحت جزءًا مؤقتًا من بنية أمنية أثناء الاضطرابات.
شارك الطلاب في المجال الوطني بطرق مختلفة، من قراءة الصحف والتبرعات إلى الاحتجاج، بينما حاولت الإدارة الحفاظ على الانضباط. وقد تكون المدرسة مكانًا لتعلم السلطة نفسها: الطابور والامتحان والعقوبة والزي والجدول. لكن الطلاب ليسوا متلقين سلبيين، وهم ينقلون إلى الصف لغة السياسة التي يسمعونها في البيت والشارع. هذا التفاعل من الموضوعات التي تكشفها مجلات الطلاب والمذكرات التي استخدمها باحثون في تاريخ التعليم.
خلال الحرب العالمية الثانية توسعت بعض فرص العمل والتدريب، واستمرت المدارس رغم اقتصاد الحرب والقيود. صور المسابقات الرياضية سنة 1942 تظهر نشاطًا منظمًا بينما العالم في حرب واسعة. هذا التزامن يذكر بأن الحياة اليومية لا تتوقف بالكامل في الأزمات؛ الأسر تواصل إرسال الأطفال إلى المدرسة لأن التعليم استثمار طويل حتى حين يكون المستقبل السياسي غير واضح.
بحلول 1947 دخل التوتر مرحلة جديدة مع قرار تقسيم فلسطين واندلاع الحرب. بدأت الطرق تغلق، وتعطل وصول الطلاب والمعلمين إلى مؤسساتهم، وتحولت بعض الأبنية إلى ملاجئ أو مواقع عسكرية أو مراكز للنازحين. النظام الذي توسع خلال ثلاثة عقود سيواجه في أشهر قليلة انهيارًا جغرافيًا واسعًا.
النكبة وانكسار الخريطة التعليمية
أدت حرب 1948 والنكبة إلى تهجير مئات آلاف الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، وهو ما مزق شبكة المدارس والمعلمين والطلاب. أغلقت مؤسسات في المدن التي احتلت، وضاعت ملفات ومكتبات، وانتقل معلمون وطلاب إلى الضفة الغربية وغزة والدول العربية. لم تعد المدرسة التي تبعد كيلومترات قليلة قابلة للوصول إذا أصبحت الطريق خلف حدود أو منطقة عسكرية.
الكلية العربية في القدس نفسها انتهت بصورتها الانتدابية سنة 1948. خسر النظام الحكومي الفلسطيني المركزي الإطار السياسي الذي كان يجمعه، وتوزعت المؤسسات على أنظمة مختلفة: إسرائيل، الأردن في الضفة الغربية، والإدارة المصرية في قطاع غزة، إضافة إلى مدارس اللاجئين التي ستنشأ لاحقًا في مناطق عمل الأونروا. هذا التشظي جعل المنهج والشهادة والإدارة تختلف بحسب مكان اللجوء.
ومع ذلك حمل المعلمون خبرتهم معهم. في المخيمات والمدن الجديدة أقيمت صفوف في خيام ومبانٍ مؤقتة، وأصبح التعليم وسيلة لإعادة انتظام الحياة بعد النزوح. الأسر التي فقدت الأرض أو المتجر رأت في شهادة الطفل رأس مال يمكن نقله عبر الحدود، ما ساهم في ارتفاع قيمة التعليم لدى الفلسطينيين في الشتات. كثير من السمات التعليمية للمجتمع الفلسطيني بعد 1948 لها جذور في المؤسسات والطموحات التي نمت قبل النكبة.
لهذا لا ينبغي أن يُقرأ تاريخ التعليم قبل 1948 كمرحلة منتهية بلا أثر. المعلمون والمناهج والتقاليد المدرسية والنوادي والجامعات التي ستظهر لاحقًا ورثت أشخاصًا وأفكارًا من تلك الفترة. وحتى النقاش المعاصر حول مناهج التاريخ والهوية له جذور واضحة في أسئلة الانتداب: من يملك سلطة كتابة الماضي الذي يتعلمه الطفل؟
المدرسة كذاكرة وطنية ومؤسسة للمستقبل
إذا نظرنا إلى صور المدارس القديمة فقط من زاوية الحنين سنفقد أهم ما فيها. كل صورة صف أو ملعب أو مبنى هي دليل على استثمار اجتماعي: أسر ترسل أبناءها، معلمون يتدربون، جمعيات تجمع المال، وطلاب يتنافسون على مستقبل مهني. هذا الاستثمار لم يكن موزعًا بعدالة، لكنه ساهم في إنتاج صحفيين وأطباء ومحامين ومعلمين وإداريين سيؤدون أدوارًا مهمة في فلسطين والشتات.
التوثيق اليوم يحتاج إلى أكثر من أسماء المدارس الشهيرة. ينبغي جمع سجلات القرى الصغيرة وشهادات المعلمات والدفاتر والصور العائلية والكتب المدرسية. المدرسة القروية ذات الغرفة الواحدة قد تخبرنا عن المجتمع بقدر ما تخبرنا الكلية العربية، لأنها تكشف المسافة بين طموح الأسرة والموارد التي وفرتها الدولة. تاريخ التعليم الحقيقي هو مجموع هذين المستويين.
المصادر الرقمية فتحت إمكانات جديدة. مستودع جامعة بيرزيت يحفظ نسخًا من مسح فلسطين الرسمي ودراسات أكاديمية، ومكتبة الكونغرس توفر صور ماتسون عالية الدقة، ومؤسسة الدراسات الفلسطينية تنشر ذكريات ودراسات عن الكلية العربية، بينما يقدم بحث فوراس تحليلًا للمناهج والهوية. جمع هذه المواد في صفحة واحدة يسمح للقارئ بالانتقال من الرقم إلى الصورة ثم إلى الذاكرة الشخصية.
القصة الأساسية هي أن المجتمع الفلسطيني دخل القرن العشرين بطلب متزايد على التعليم، وبنى مدارس حكومية وأهلية وطائفية ومؤسسات متقدمة رغم القيود. بحلول 1948 لم يكن التعليم شاملًا ولا متساويًا، لكنه أصبح جزءًا مركزيًا من تصور المستقبل. النكبة حطمت الخريطة المؤسسية، لا الرغبة في التعلم؛ ولهذا سيصبح التعليم في العقود التالية واحدًا من أكثر الموارد التي استثمر فيها الفلسطينيون أينما عاشوا.
فيديوهات موثوقة للسياق التاريخي
اخترنا المواد المرئية أدناه لأنها متاحة حاليًا على قنوات معروفة أو أرشيفية وتقدّم سياقًا بصريًا يساعد على قراءة الوثائق والصور. تبقى المصادر المكتوبة والأرشيفية في أسفل الصفحة المرجع الأساسي للتحقق من التفاصيل.
وثائقي عربي
من ذاكرة العلم — الكلية العربية في القدس 1918
مادة مرئية عن تاريخ الكلية العربية في القدس ودورها في إعداد المعلمين والطلاب، وتُقرأ إلى جانب ذكريات الخريجين والدراسات المنشورة.
Huntley Film Archives
A Record of the British Mandate for Palestine
لقطات أرشيفية من فترة الانتداب تساعد على رؤية البيئة الحضرية والإدارية التي عملت فيها المدارس الفلسطينية.
الجزيرة الوثائقية
نكبة المناهج: تاريخ التعليم والذاكرة الفلسطينية
مادة تناقش إرث تعليم التاريخ الفلسطيني بعد 1948؛ أدرجت هنا لربط مسألة المنهج الانتدابي باستمرار الجدل حول الذاكرة التعليمية.
معرض صور أرشيفية حقيقية
جميع الصور في هذا المعرض مرتبطة بصفحات مصدر أرشيفية أو بملفات موثقة في ويكيميديا كومنز، ويعود عدد كبير منها إلى مجموعة ماتسون في مكتبة الكونغرس. أُدرج رابط المصدر مع كل صورة كي يمكن فحص الوصف والتاريخ وبيانات الحقوق.

صورة أرشيفية
طلاب على أرض الكلية العربية، 1942
منافسة تدريب بدني بين المديريات في القدس يوم 26 يونيو 1942، وتظهر حجم النشاط المدرسي المنظم.
المصدر
صورة أرشيفية
لقاء مدارس القدس، 1940
منظر عام من الاجتماع الرياضي السنوي للمدارس الحكومية على أرض الكلية العربية في 22 يونيو 1940.
المصدر
صورة أرشيفية
سباق طلاب المدارس
طلاب يستعدون لسباق في اللقاء الرياضي نفسه سنة 1940؛ سجل للحياة الطلابية خارج الصف.
المصدر
صورة أرشيفية
المدرسة الزراعية الخضورية في طولكرم
مبنى المدرسة الزراعية المخصصة للطلاب العرب في صورة مؤرخة تقريبًا بين 1930 و1933.
المصدر
صورة أرشيفية
مدرسة البنات لاتحاد السيدات العربيات
طالبات ومعلمات في مدرسة المصرارة بالقدس بين 1940 و1946، وتوضح دور المجتمع المدني في تعليم البنات.
المصدر
صورة أرشيفية
طالبات المدرسة الحكومية في الناصرة
مجموعة من المرشدات في مدرسة البنات الحكومية بالناصرة خلال الأربعينيات، ضمن سلسلة ماتسون التعليمية.
المصدر
صورة أرشيفية
الكلية العربية أثناء اضطرابات 1936
كاشف ضوئي للمهندسين الملكيين البريطانيين مثبت على الكلية العربية، صورة تكشف دخول الأمن العسكري إلى المجال التعليمي.
المصدر
صورة أرشيفية
تسليم جوائز مدارس القدس
لقطة من الاجتماع الرياضي للمدارس على أرض الكلية العربية سنة 1940، توثق الطقوس المدرسية العامة والمسابقات.
المصدرالمصادر والمراجع
بُني هذا المقال على مراجع أرشيفية ومؤسسات بحثية ومصادر أولية أو مجموعات رقمية يمكن الرجوع إليها. الروابط أدناه مقصودة للقراءة المتعمقة، وللتأكد من التواريخ والصور والسياقات الواردة في النص.
التاريخ هنا قابل للتحقق والتوسّع.
أرقام 1945–1946 في بطاقات الحقائق مأخوذة من جدول منشور في دراسة إصلاح جاد، مع تمييز واضح بين المدارس الحكومية وأرقام المدارس الخاصة التي تعود في بعض الخانات إلى 1944–1945. لا نعامل نمو التسجيل بوصفه تعليمًا شاملًا؛ فقد ظل نقص المقاعد والفجوة بين البنات والبنين وبين الريف والمدينة موثقًا حتى نهاية الانتداب.