العودة إلى الرئيسية

22 سبتمبر 2026فريق البحث التاريخيقراءة 90+ دقيقة

تاريخ المعرفة والثقافة

المكتبات وثقافة الكتاب في فلسطين
1900–1948: الخالدية والقراءة والطباعة وشبكات المعرفة

في سنة 1900 فُتحت المكتبة الخالدية في باب السلسلة بالقدس كمكتبة عامة أنشأتها مبادرة أهلية عربية، جامعةً كتبًا ومخطوطات تراكمت في أسرة الخالدي عبر أجيال. لكن قصة الكتاب في فلسطين أوسع من مبنى واحد: مدارس وصحف ومطابع وكتبيون ونوادٍ ومكتبات متخصصة وقراء يتنقلون بين القدس ويافا وحيفا ونابلس وعكا ودمشق والقاهرة وبيروت. تتبع هذه الصفحة البنية الاجتماعية التي جعلت القراءة والبحث جزءًا من النهضة الحضرية حتى 1948.

رجال أمام مدخل المكتبة الخالدية في القدس في صورة تاريخية من مجموعة ماتسون بمكتبة الكونغرس

تأسيس الخالدية

1900

تعرّف المكتبة نفسها بأنها أول مكتبة عامة عربية أُنشئت بمبادرة خاصة في فلسطين، ومقرها قرب باب السلسلة في البلدة القديمة بالقدس.

مجموعات التأسيس

كتب ومخطوطات أسرية

تُظهر سجلات الافتتاح مساهمات يوسف ضياء وروحي وناظف وغيرهم من آل الخالدي، لتتحول مكتبات عائلية إلى وقف معرفي مفتوح للباحثين.

زوار موثقون

1904–1933 وما بعد

دفاتر الزوار تسجل أسماء باحثين وأدباء مثل لويس شيخو ومحمد كرد علي ووليم فوكسويل أولبرايت وإبراهيم طوقان وقسطنطين زريق.

مكتبات متخصصة

1920s–1940s

شهد عهد الانتداب مكتبات مرتبطة بدوائر الزراعة والمعارف والإحصاء والإذاعة ومتحف الآثار، إلى جانب مكتبات المدارس والجمعيات والنوادي.

قبل التأسيس

المخطوط والكتاب قبل المكتبة العامة: معرفة محفوظة في البيوت والمدارس والأوقاف

لم تبدأ ثقافة الكتاب الفلسطينية سنة 1900. لقرون حفظت العائلات العلمية والمساجد والزوايا والمدارس الدينية مخطوطات في الفقه واللغة والتاريخ والطب والأدب، وكان العلماء ينسخون ويشترون ويورثون الكتب. الجديد في مطلع القرن العشرين كان تحويل جزء من هذه الثروة الخاصة إلى مؤسسة عامة ذات باب وسجل وقواعد قراءة، بالتزامن مع توسع الطباعة والتعليم والصحافة في المدن العثمانية.

تكشف مجموعات الخالدي نفسها هذا العمق؛ فالمكتبة الحديثة جمعت مقتنيات أفراد سبقوا الافتتاح بعقود، وبعض المخطوطات أقدم بقرون. كما تشير وثائق الأسرة إلى شراء كتب من إسطنبول والقاهرة وبيروت وباريس ومراكز أخرى. هذا التداول يوضح أن القدس لم تكن جزيرة ثقافية، بل عقدة في سوق كتب إقليمي تصل إليه المطبوعات العربية والعثمانية والأوروبية.

الانتقال من المخطوط إلى المطبوع لم يحدث دفعة واحدة. ظل المخطوط ذا قيمة علمية ودينية، بينما جعلت الطباعة نسخ النص أرخص وأسرع. وقد يجلس على رف واحد كتاب مطبوع حديث ومجموع مخطوط عمره مئات السنين. هذه المعايشة بين القديم والجديد سمة أساسية للنهضة العربية، وتفسر لماذا أصبحت المكتبة مكان حفظ وبحث وتحديث في آن واحد.

غياب فهرس حديث لمجموعة أسرية لا يعني أن الكتب لم تكن تستخدم، كما أن وجود كتاب في تركة لا يثبت أن صاحبه قرأه كاملًا. لذلك يفرق المقال بين امتلاك الكتب وممارسة القراءة، ويستخدم دفاتر الزوار والمراسلات والمذكرات عندما يريد إثبات الاستخدام الاجتماعي لا مجرد وجود المادة.

1900

راغب الخالدي وفكرة «مكتبة عمومية» في باب السلسلة

في سنة 1900 افتتحت المكتبة الخالدية في القدس بمبادرة من الحاج راغب الخالدي وبمساهمة مجموعات الأسرة. تصف المؤسسة نفسها بأنها أول مكتبة عامة عربية أنشئت بمبادرة خاصة في فلسطين. أهمية العبارة ليست في المنافسة على لقب رمزي فقط؛ بل في تصور الكتاب كخدمة عامة يستطيع الباحث والقارئ الوصول إليها بدل بقائه داخل بيت الأسرة أو خزانة خاصة.

نص إعلان التأسيس المنشور في موقع المكتبة يقدم المشروع بوصفه خدمة للعلم والإحسان. ويثبت الوقف استمرارية المكان قانونيًا وماليًا، بينما ساعد موقعه في باب السلسلة، على طريق يمر به العلماء والزوار نحو الحرم الشريف، على جعله معلمًا معروفًا. الصورة التاريخية أمام الباب تربط الاسم المكتوب بالمكان المادي وتسمح بتحديد المؤسسة بصريًا.

فكرة المكتبة العامة ترتبط بمناخ إصلاحي أوسع في أواخر الدولة العثمانية: مدارس جديدة، مطابع، صحف وجمعيات ونقاش حول العلم والتقدم. لم تكن القدس وحدها في ذلك؛ بيروت ودمشق والقاهرة وإسطنبول شهدت مؤسسات مشابهة بترتيبات مختلفة. الخالدية مثال محلي على تيار إقليمي يربط النهضة بتوسيع الوصول إلى المعرفة.

مصطلح «أول مكتبة عامة عربية بمبادرة خاصة» هو الوصف الذي تستخدمه المكتبة ومصادر متعددة، لكنه يعتمد على تعريف «العامة» و«المبادرة الخاصة». كانت في القدس قبلها خزائن كتب دينية وتعليمية يمكن أن يستفيد منها باحثون. لذلك لا تحول الصفحة اللقب إلى ادعاء بأن المدينة لم تعرف أي مكتبة أو إتاحة سابقة للكتب.

المجموعات

كيف تحولت مكتبات الأسرة إلى رصيد عام؟

قوة الخالدية جاءت من دمج مجموعات أفراد جمعوا الكتب خلال الدراسة والعمل والسفر. تذكر دراسة خضر سلامة أن افتتاح 1900 ضم 115 مخطوطًا و642 كتابًا من يوسف ضياء الخالدي، و102 مخطوط و615 كتابًا من روحي الخالدي، إضافة إلى مئة كتاب لناظف الخالدي و91 مجلة ضمن الرصيد الموثق. الأرقام تكشف مكتبة تأسيسية متخصصة وليست غرفة صغيرة من المصاحف فقط.

تعود بعض المقتنيات إلى أجيال أقدم، وتوجد وثيقة سنة 1886 تشير إلى تبرع 1,266 كتابًا من دون تحديد المصدر بالتفصيل. لاحقًا نمت المجموعة بإضافات وحفظ مخطوطات ووثائق عائلية. وتذكر المكتبة اليوم أن مجموعتها تشمل أكثر من ألف مخطوط وعدة آلاف من المطبوعات، لكن الرقم الحالي لا ينبغي إسقاطه على سنة الافتتاح.

المكتبة العائلية تكشف مسارات أصحابها. يوسف ضياء كان رجل دولة ولغات، وروحي درس وكتب في موضوعات فكرية وتاريخية، وأفراد آخرون عملوا في القضاء والهندسة والإدارة. لذلك تحمل الرفوف آثار وظائفهم وسفرهم. كتاب بالفرنسية أو العثمانية ليس مجرد نص؛ إنه دليل على شبكة تعليم واتصال تتجاوز القدس.

الأرقام تختلف بحسب ما إذا كان الفهرس يعد المجلد أو العنوان أو المجموع المخطوط، وبعض المخطوطات تحتوي عدة رسائل في مجلد واحد. لهذا تذكر الصفحة تعريف المصدر ولا تجمع أرقامًا من عصور مختلفة لإنتاج مجموع ظاهره الدقة. الهدف وصف الحجم والتنوع لا صناعة رقم نهائي ثابت.

داخل القاعة

القراءة كفعل منظم: الفهرس والهدوء وساعات الوصول

المكتبة العامة تحتاج قواعد بقدر ما تحتاج كتبًا. الفهرسة تحدد أين يوجد الكتاب، والدفتر يسجل الزائر، والأمين يحمي المخطوط، وقواعد القاعة تمنع التلف والضوضاء. مصادر عن الخالدية تشير إلى تنظيم القراءة ومنع ممارسات مثل التدخين داخل المكتبة. هذه التفاصيل اليومية تكشف انتقال المعرفة من ملكية شخصية إلى مؤسسة تتعامل مع جمهور متكرر.

وجود فهارس قديمة باقية اليوم يسمح بتتبع كيف وصف الأمناء المخطوطات والكتب، بينما تظهر دفاتر الزوار أن الناس لم يأتوا للمشاهدة فقط بل للبحث والمطالعة والتعارف. المؤسسة جمعت بين الحفظ والإتاحة؛ وهما وظيفتان قد تتعارضان، لأن فتح المخطوط للاستخدام يزيد قيمته العلمية لكنه يرفع خطر التلف.

تنظيم القراءة يعكس تغير مفهوم الزمن العلمي. الباحث الذي يصل من دمشق أو القاهرة يحتاج أن يعرف متى تفتح المكتبة ومن يستطيع مساعدته، وقد يكتب ملاحظة أو ينسخ نصًا يدويًا. قبل التصوير الرقمي كانت الاستفادة من المخطوط تتطلب وقتًا جسديًا في المكان. لذلك كانت المكتبة أيضًا بنية لاستضافة الباحث لا مجرد مخزن.

لا نملك سجلات يومية كاملة لكل قارئ أو كتاب تمت مطالعته، لذا لا يمكن تحويل وجود اسم في دفتر الزوار إلى قائمة بكل ما قرأه الشخص. الدفتر يثبت الزيارة، أما طبيعة البحث فتحتاج إلى رسالة أو مؤلف أو ملاحظة إضافية. تحافظ الصفحة على هذا الفصل بين الحضور والاستعمال التفصيلي.

شبكة الباحثين

دفاتر الزوار: لويس شيخو وكرد علي وأولبرايت وطوقان وزريق

تحولت الخالدية إلى محطة في شبكة علماء واسعة، وهو ما يظهر بوضوح في دفاتر زوارها. يسجل الموقع أسماء مدير كلية المعلمين المصرية علي الجارم، والأب لويس شيخو مدير مجلة المشرق، والمستعرب الروسي إغناطيوس كراتشكوفسكي، ومحمد كرد علي، وعارف العارف، وعالم الآثار وليم فوكسويل أولبرايت، والشاعر إبراهيم طوقان، والمفكر قسطنطين زريق وغيرهم.

التواريخ مهمة: شيخو سنة 1909، كرد علي 1911، أولبرايت 1920، إبراهيم طوقان 1931، وزريق 1933 وفق القائمة المنشورة. هذا التسلسل يبين أن المكتبة احتفظت بجاذبيتها من أواخر العهد العثماني إلى الانتداب، وأن جمهورها لم يكن من مدينة أو ديانة أو حقل واحد. الأثر المكتوب في الدفتر يحول «السمعة» إلى دليل يمكن تأريخه.

الزيارة العلمية نفسها قناة لنقل الأفكار. باحث يقرأ مخطوطًا ثم يذكره في كتاب، أو محرر مجلة يتبادل مطبوعات، أو شاعر يلتقي مثقفين، كلها روابط يصعب رؤيتها إذا نظرنا إلى المكتبة كبناء ساكن. بهذه الطريقة تعمل المكتبة كنقطة اتصال بين القدس وبيروت ودمشق والقاهرة وأوروبا والجامعات الأجنبية الموجودة في المدينة.

قائمة الأسماء المشهورة قد توحي أن القاعة كانت مخصصة للنخب فقط، بينما الأرشيف لا يحفظ أسماء القراء العاديين بالوضوح نفسه. كما أن شهرة الزائر لاحقًا قد تجعل توقيعه يبدو أهم مما كان وقت الزيارة. لذلك تُستخدم الأسماء لإثبات اتساع الشبكة لا لتحديد قيمة بقية المستخدمين.

التعليم

المدرسة توسع جمهور الكتاب: من الطالب إلى القارئ اليومي

ازدهار المكتبات لا يمكن فصله عن توسع التعليم. مدارس عثمانية وحكومية وأهلية وطائفية وإرسالية في القدس ويافا وحيفا ونابلس وبيت لحم وغيرها أنتجت أجيالًا تستطيع القراءة بالعربية ولغات أخرى. الكتاب المدرسي، دفتر الطالب، مجلة المدرسة والمكتبة الصغيرة داخل الصف كلها توسع سوق المطبوع حتى لمن لا يدخل مكتبة بحثية كبيرة.

تسجل المصادر التعليمية زيادة أعداد المدارس والطلاب عبر أواخر العهد العثماني والانتداب مع تفاوت واضح بين المدن والريف وبين الجنسين والفئات الاجتماعية. صور الصفوف والطلاب في مجموعة ماتسون توفر دليلًا بصريًا على بيئة القراءة، بينما تكشف إعلانات الصحف ومحال الكتب عن كتب مدرسية وقواميس ودفاتر موجهة لهذا الجمهور المتسع.

الطالب الذي يتعلم القراءة يصبح لاحقًا قارئ جريدة وموظفًا يحتاج إلى ملف ونموذج، أو معلمًا يطلب مرجعًا. لذلك ترتبط المدرسة بصناعة الورق والطباعة والمكتبة والصحافة والإدارة. وبالتدريج تتغير وظيفة القراءة من مهارة دينية أو نخبوية إلى أداة عمل وحياة عامة لدى شرائح أوسع، وإن لم تصل بالتساوي إلى الجميع.

نسبة الالتحاق بالمدرسة لا تساوي نسبة محو الأمية، كما أن القدرة على قراءة نص بسيط لا تعني ممارسة قراءة الكتب المطولة. كذلك كانت فرص التعليم مختلفة بشدة بحسب المنطقة والجنس والدخل. المقال يستخدم التعليم كشرط مساعد لاتساع ثقافة الكتاب، لا كدليل على أن المجتمع كله أصبح قارئًا بالمستوى نفسه.

الطباعة والصحافة

المطبعة والصحيفة والمكتبة: ثلاث مؤسسات تغذي بعضها

الكتاب لا يصل إلى القارئ من دون مطبعة وتوزيع، والصحيفة تعلم القارئ عادة القراءة المنتظمة، والمكتبة تحفظ أعدادًا قد تختفي من السوق. بعد الثورة الدستورية العثمانية سنة 1908 توسعت الصحافة العربية في فلسطين، ثم ازدهرت أكثر في العشرينيات والثلاثينيات. هذا النشاط خلق طلبًا على المطابع والحروف والورق والمحررين والمصححين والباعة.

صحف مثل الكرمل وفلسطين والدفاع وغيرها شكلت جمهورًا يقرأ الأخبار والمقالات والإعلانات والكتب المتسلسلة. وقد نشرت الصحف مراجعات وإعلانات عن إصدارات جديدة، بينما امتلك بعض المثقفين مكتبات شخصية واسعة انتقلت أحيانًا إلى مؤسسات عامة أو ورثها الأبناء. بهذا المعنى لا تنفصل صفحة تاريخ الصحافة عن تاريخ المكتبة؛ الأولى تنتج نصًا سريعًا والثانية تحفظه أو تحفظ الكتب التي يناقشها.

القراءة في المقهى تختلف عن القراءة في المكتبة لكنها جزء من الثقافة نفسها. قد يقرأ شخص الجريدة بصوت عال لمجموعة، أو يتبادل الطلاب مجلة، أو يستعير الموظف كتابًا من صديق. هذه الأشكال تجعل قياس جمهور النص أكبر من أرقام النسخ المباعة. ثقافة الكتاب هي circulation — حركة النص بين أشخاص — وليست ملكية فردية فقط.

أرقام توزيع الصحف القديمة غالبًا محل اختلاف وتعتمد أحيانًا على ادعاءات الناشرين أنفسهم. لذلك لا تستخدم الصفحة رقم تداول غير موثق لتقدير عدد القراء. كذلك لا يعني ظهور إعلان كتاب أن الكتاب بيع على نطاق واسع؛ الإعلان يثبت العرض والتسويق لا حجم الطلب النهائي.

سوق الكتاب

بيروت والقاهرة ودمشق وإسطنبول: فلسطين داخل شبكة نشر إقليمية

لم تكن فلسطين مركز طباعة بحجم القاهرة أو بيروت، ولذلك اعتمد سوقها على حركة الكتب عبر الموانئ والسكك والبريد. يصل كتاب من مطبعة مصرية إلى يافا ثم القدس، أو مجلة من بيروت إلى حيفا، أو عمل عثماني من إسطنبول إلى موظف وقاضٍ. في الاتجاه الآخر يرسل كاتب فلسطيني مقاله أو مخطوطه إلى ناشر خارجي. هذه الشبكة تجعل تاريخ الكتاب عابرًا للحدود الحالية.

مقتنيات الخالدية نفسها تحتوي مطبوعات عربية وأوروبية وعثمانية من مراكز متعددة، ومراسلات أفراد الأسرة تكشف تبادل الكتب والرسائل. كما تشير الإعلانات الصحفية إلى وكلاء ومكتبات تتعامل مع عناوين مستوردة. وجود البريد والقطار والموانئ خفض زمن وصول المطبوع، وربط القراءة اليومية ببنية النقل والاتصال التي تطورت في الفترة نفسها.

الكتاب المستورد ليس علامة تبعية ثقافية بالضرورة؛ النهضة العربية نفسها قامت على شبكات بين المدن. قارئ في القدس يناقش كتابًا طبع في القاهرة ثم يكتب ردًا في صحيفة يافاوية يمكن أن يصل إلى دمشق. هذه الدورة تجعل «المشهد الثقافي الفلسطيني» محليًا وإقليميًا في آن، وتفسر تعدد اللغات والمراجع في مكتبات المثقفين.

حدود الانتداب بعد 1920 قد تجعل الباحث ينظر إلى كل ما دخل من بيروت أو دمشق كـ«خارجي» بالطريقة نفسها التي نفهم بها الاستيراد اليوم، بينما كانت الروابط العائلية والتعليمية والتجارية أقدم وأكثف. لذلك تستخدم الصفحة لغة الشبكة الإقليمية بدل إسقاط مفهوم سوق وطني مغلق على العقود السابقة.

المجال العام

النوادي والجمعيات: مكتبة صغيرة يمكن أن تصنع جمهورًا كبيرًا

خارج المكتبات الرسمية، لعبت النوادي والجمعيات الثقافية والرياضية والخيرية أدوارًا في توفير الصحف والكتب وتنظيم المحاضرات. غرفة فيها خزانة كتب وعدة جرائد قد تصبح نقطة تجمع للطلاب والموظفين. وفي ثلاثينيات القرن العشرين توسعت الجمعيات في مدن متعددة، بعضها مرتبط بالشباب أو المهن أو الطوائف أو النشاط الثقافي العام.

المذكرات والصحف تعلن عن محاضرات وأمسيات ونوادٍ تتداول فيها المطبوعات. وتأسست مكتبة جمعية الشبان المسيحية في القدس سنة 1933 بحسب مسح نشرته الخالدية عن مكتبات المدينة. هذا المثال يوضح انتقال المكتبة إلى مؤسسة اجتماعية حديثة تقدم قراءة ومحاضرة ولقاء، لا مجرد استعارة كتاب.

الكتاب داخل النادي يدخل في نقاش مباشر. مقالة تقرأ صباحًا قد تصبح موضوع مناظرة مساء، ومحاضرة يمكن أن تدفع إلى طلب مرجع جديد. لذلك تشكل هذه المؤسسات وسيطًا بين النص والحياة السياسية والاجتماعية. لكنها ليست كلها ذات توجه واحد؛ اختلاف الخلفيات يعني اختلاف مجموعات الكتب واللغات والجمهور.

من السهل قراءة كل نادٍ ثقافي باعتباره منظمة سياسية مقنعة، لكن كثيرًا منها جمع وظائف متعددة وبعض نشاطه اجتماعي وتعليمي بحت. لا تنسب الصفحة موقفًا سياسيًا إلى جمعية إلا إذا وثقته برامجها أو صحفها. الاهتمام هنا بالبنية التي أتاحتها للقراءة والاجتماع.

1920–1940s

المكتبات الحكومية والمتخصصة: المعرفة كأداة إدارة ومهنة

مع توسع أجهزة الانتداب ظهرت مكتبات متخصصة تخدم موظفين وباحثين في الزراعة والتعليم والآثار والإحصاء والإذاعة. يذكر مسح عن مكتبات القدس تأسيس مكتبة دائرة الزراعة ودائرة المعارف سنة 1920، ومكتبة متحف الآثار الفلسطيني سنة 1935، ودائرة الإحصاء والإذاعة سنة 1936، ثم دائرة المطبوعات سنة 1944. هذه ليست مكتبات عامة بالمعنى نفسه لكنها وسعت بنية المعرفة المهنية.

المتحف يحتاج مراجع للحفريات واللغات القديمة، والإحصاء يحتاج تقارير سكانية واقتصادية، والزراعة تحتاج نشرات عن المحاصيل والأمراض، والإذاعة تحتاج نصوصًا وأرشيف برامج. ظهور المكتبة داخل كل جهاز يعكس تحول الإدارة إلى مؤسسة تعتمد على تراكم الوثيقة والمرجع. كما استفاد باحثون خارج الجهاز أحيانًا من هذه المجموعات وفق قواعد الوصول.

المكتبة المتخصصة تربط المعرفة بالخبرة. المهندس والآثاري والطبيب والمعلم يحتاج إلى نص حديث باستمرار، وهذا يخلق طلبًا على الدوريات الأجنبية والترجمة والفهرسة. بهذه الطريقة أصبح الكتاب جزءًا من البنية المهنية الحديثة. وهو جانب يكمل المكتبة الأدبية؛ ثقافة القراءة تشمل تقريرًا فنيًا بقدر ما تشمل ديوان شعر.

قائمة المكتبات المنشورة في مصدر واحد قد لا تكون شاملة لكل دائرة أو مؤسسة، وتواريخ التأسيس قد تشير إلى تأسيس المجموعة لا افتتاح قاعة مستقلة. لذلك تُعرض الأمثلة بوصفها مؤسسات موثقة وليست تعدادًا نهائيًا لكل مكتبة عملت في القدس وفلسطين.

النوع الاجتماعي

النساء والكتاب: التعليم والصحافة والجمعيات توسع مجال القراءة

اتساع تعليم البنات في أواخر العهد العثماني والانتداب خلق قارئات وكاتبات ومعلمات أكثر، وإن بقيت الفجوات كبيرة. ظهرت مقالات بأسماء نساء ونشاطات جمعيات نسائية ومحاضرات ومدارس للبنات، وصارت المجلة والكتاب جزءًا من النقاش حول التربية والأسرة والعمل العام. لا يعني ذلك أن الوصول كان متساويًا، لكنه يكسر صورة ثقافة كتاب ذكورية بالكامل.

سجلات المدارس والصحافة والجمعيات توثق أسماء معلمات وناشطات وكاتبات، بينما تكشف المذكرات أن بعض البيوت امتلكت كتبًا ومجلات تتداولها الأسرة. المكتبة العامة الرسمية قد لا تحفظ جنس كل قارئ في سجلها، ولذلك يأتي الدليل من مصادر متفرقة. اتساع التعليم هو المؤشر الأكثر ثباتًا على نمو الجمهور المحتمل للقراءة بين النساء.

المعلمة تنقل الكتاب إلى جيل جديد، والكاتبة تحول القراءة إلى إنتاج نص، والجمعية تستخدم الكتيب والمحاضرة للتنظيم. لذا يجب ألا يقاس حضور المرأة بعدد أسماء المؤلفات فقط. الكثير من العمل الثقافي يقع في التعليم والتحرير والمراسلة والقراءة الجماعية، وهي أعمال لا تترك غلاف كتاب يحمل الاسم دائمًا.

لا يجوز تعميم تجربة نساء المدن المتعلمات على فلسطين كلها. فرص التعليم تختلف بين مدينة وقرية وبين طبقات وعائلات. كما أن استخدام صورة امرأة تقرأ لا يثبت معدل القراءة النسائية. لذلك يعرض المقال المسار المؤسسي والشهادات المحددة ويتجنب الأرقام غير الموثقة.

الحرب والرقابة

عندما يصبح الكتاب والصحيفة مادة خاضعة للرقابة والحصار

الحرب العالمية الأولى ثم سياسات الانتداب والأزمات السياسية أثرت في حركة المطبوع. الرقابة قد تمنع صحيفة أو كتابًا، والحرب ترفع سعر الورق وتقطع طرق الاستيراد، والإضراب يعطل البريد والتوزيع. لذلك لا يمكن فهم ثقافة الكتاب كمسار نمو هادئ. أحيانًا يصبح الحصول على الورق نفسه مشكلة أكبر من وجود قارئ راغب في النص.

تاريخ الصحافة الفلسطينية يسجل إيقافات ورقابة وقيودًا في مراحل مختلفة، بينما تكشف مراسلات ومذكرات عن صعوبة وصول المواد خلال الحروب. المكتبات أكثر قدرة من السوق على حفظ ما صدر قبل الأزمة، ولهذا تزداد قيمتها حين تختفي النسخ من التداول. الأرشيف الباقي اليوم مدين جزئيًا لمؤسسات لم تتخلص من الأعداد القديمة عندما انتهى عمرها التجاري.

الرقابة يمكن أن تدفع النص إلى مسارات بديلة: استعارة نسخة واحدة، نقل مقال يدويًا، أو قراءة الجريدة بصوت عال. لكنها لا تعني أن كل نص ممنوع انتشر على نطاق واسع. كما أن المؤسسة قد تمارس رقابة ذاتية لتجنب الغرامة أو الإغلاق، وهو أثر أصعب في القياس لأنه يظهر فيما لم يُطبع.

ينبغي التفريق بين الرقابة العثمانية والانتدابية من حيث القانون والزمن وعدم جمعهما في نظام واحد. كما لا تُنسب نية سياسية لكل تأخر في كتاب؛ قد يكون السبب اقتصاديًا أو لوجستيًا. تُذكر أمثلة الرقابة عندما يثبتها قرار أو سجل صحفي واضح.

1948

المكتبات الخاصة بين الفقد والتشتت: الكتاب كجزء من خسارة البيت

في حرب 1948 تعرضت مكتبات خاصة ومجموعات أسرية ومؤسسات في مدن عدة للتشتت مع نزوح وتهجير أصحابها وتغير السيطرة على الأحياء والمباني. الكتاب هنا ليس شيئًا ثقافيًا مجردًا؛ هو جزء من البيت والمكتب والمدرسة. عندما تفقد الأسرة منزلها قد تفقد معها هوامش القارئ ومراسلاته وأرشيفه وفواتيره، وهي مواد لا يمكن إعادة شرائها حتى إذا وجد العنوان نفسه لاحقًا.

وثقت أبحاث لاحقة مصائر مجموعات كتب فلسطينية دخل بعضها إلى مكتبات ومؤسسات جديدة أو تفرق بين أفراد وعواصم. في المقابل بقيت الخالدية في موقعها بالبلدة القديمة، ما سمح ببقاء نواة أرشيفية مهمة رغم التحولات اللاحقة. هذا الاختلاف يؤكد أنه لا يجوز وصف مصير «الكتاب الفلسطيني» بصيغة واحدة؛ يعتمد على المكان والملكية ومسار الحرب.

فقد المكتبة الخاصة يغيّر قدرة الباحث على كتابة تاريخ صاحبها. قائمة الكتب تخبرنا بما اهتم به الشخص، والهامش يخبرنا كيف قرأ، والخطاب داخل الكتاب يكشف شبكة علاقات. لذلك تمثل خسارة المجموعات فقدًا للمادة الثقافية وللدليل التاريخي معًا. وما بقي في مكتبات الأسر والمؤسسات يكتسب قيمة مضاعفة لأنه يعوض جزءًا من فراغ واسع.

هذا موضوع ذو سجالات قانونية وسياسية حول الملكية والحفظ والاسترداد، ولا تحسم الصفحة تلك القضايا. هدفها وصف أثر الحرب على شبكات الكتاب والمجموعات، مع إحالة القارئ إلى الدراسات المتخصصة عند مناقشة مجموعة بعينها. كما تتجنب نسب كل كتاب مفقود إلى جهة واحدة من دون سلسلة ملكية موثقة.

منهج

كيف نكتب تاريخ القراءة عندما يترك الكتاب أثرًا أكثر من القارئ؟

المكتبة تحفظ الكتاب بسهولة أكبر مما تحفظ لحظة القراءة. يمكن أن نعرف أن نسخة من كتاب موجودة منذ 1910، لكن من قرأها؟ ما الذي فهمه؟ هل أعجبته؟ للإجابة نحتاج إلى آثار جانبية: توقيع زائر، هامش بالقلم، رسالة تطلب كتابًا، مراجعة في صحيفة، فاتورة شراء، أو مذكرات تتحدث عن جلسة قراءة. تاريخ الثقافة يُبنى من هذه الشظايا.

دفاتر زوار الخالدية مثال ممتاز لأنها تربط اسمًا وتاريخًا بمكان، بينما تساعد فهارس المكتبة على تحديد ما كان متاحًا. الصحافة تكشف الإعلان والمراجعة، وسجلات المدارس توضح جمهورًا متعلمًا، والصور تقدم البيئة المادية. كل مصدر يجيب سؤالًا مختلفًا، ولا ينبغي تحميله أكثر مما يحتمل.

هذه الطريقة تجعل المكتبة نقطة بداية لا نهاية. من رف في باب السلسلة يمكن تتبع كتاب إلى مطبعة في القاهرة، ورسالة إلى بيروت، وقارئ يدرس في إسطنبول، ثم مقالة تنشر في يافا. هكذا تتحول ثقافة الكتاب إلى خريطة حركة تشبه السكك والبريد لكنها تحمل أفكارًا ونصوصًا بدل البضائع.

النجاة الأرشيفية غير عادلة: مكتبة أسرة بارزة قد تحفظ أكثر من مكتبة معلم أو عامل، فيبدو تاريخ النخبة أوضح من غيره. لذلك لا يُفسر صمت الأرشيف كغياب للقراءة، ولا تُملأ الفجوات بالخيال. تشير الصفحة إلى ما نعرفه وما نستنتجه وما يبقى غير موثق.

شاهد

فيديوهات موثوقة للسياق التاريخي

اخترنا المواد المرئية أدناه لأنها متاحة حاليًا على قنوات معروفة أو أرشيفية وتقدّم سياقًا بصريًا يساعد على قراءة الوثائق والصور. تبقى المصادر المكتوبة والأرشيفية في أسفل الصفحة المرجع الأساسي للتحقق من التفاصيل.

TRT World

Inside Jerusalem's historic Khalidi Library

جولة حديثة داخل المكتبة ومجموعاتها. تستخدم لتقديم المبنى والمخطوطات بصريًا، بينما يعتمد السرد التاريخي على سجلات المكتبة ودراسات القدس والمصادر المعاصرة للفترة.

Khalidi Library / archival feature

The Khalidi Library in Jerusalem

مادة مرئية تعريفية بالمكتبة وأرشيفها، وتساعد على فهم استمرار وظيفة المكان بوصفه حافظة لمخطوطات وكتب ووثائق تشكلت قبل 1948.

المصادر

المصادر والمراجع

بُني هذا المقال على مراجع أرشيفية ومؤسسات بحثية ومصادر أولية أو مجموعات رقمية يمكن الرجوع إليها. الروابط أدناه مقصودة للقراءة المتعمقة، وللتأكد من التواريخ والصور والسياقات الواردة في النص.

ملاحظة الأرشيف

التاريخ هنا قابل للتحقق والتوسّع.

تاريخ الكتاب لا يساوي تاريخ مؤسسة واحدة. الخالدية محور مهم لأنها تركت سجلات ومخطوطات ودفاتر زوار واضحة، لكن القراءة في فلسطين جرت أيضًا في المدارس والمقاهي والنوادي والبيوت والمكتبات الدينية والحكومية ومحال الكتب. لهذا تستخدم الصفحة الخالدية كعدسة ثم توسع المشهد، وتتجنب الادعاء بأن كل ما كان يُقرأ أو يُطبع مر عبرها.