العودة إلى الرئيسية

15 أغسطس 2026فريق البحث التاريخيقراءة 45+ دقيقة

التاريخ الاجتماعي والسياسي

الحركة النسائية الفلسطينية
1920–1948: من الجمعيات إلى المؤتمر والمظاهرة

قبل عقود من ظهور المنظمات النسوية الفلسطينية المعاصرة، نظمت نساء مسلمات ومسيحيات جمعيات ومدارس وحملات إغاثة، ثم اجتمعت أكثر من مئتي امرأة في القدس سنة 1929 وأطلقن إطارًا سياسيًا نسائيًا على مستوى البلاد. هذه قصة السياسة والعمل الأهلي والتعليم والاحتجاج من منظور النساء اللواتي صنعن المجال العام الفلسطيني قبل 1948.

وفد نسائي فلسطيني عند مقر المندوب السامي البريطاني سنة 1929

المؤتمر الأول

26 أكتوبر 1929

انعقد في القدس مؤتمر نسائي عربي فلسطيني شاركت فيه أكثر من مئتي امرأة مسلمة ومسيحية من مدن مختلفة.

هيئة منظمة

14 عضوة

انتخب المؤتمر لجنة تنفيذية للسيدات العربيات لمتابعة القرارات وتنظيم النشاط النسائي في البلاد.

الإضراب العام

1936

شاركت الجمعيات والناشطات في الإغاثة وجمع التبرعات والعمل السياسي خلال الإضراب والثورة الفلسطينية الكبرى.

مؤتمر القاهرة

1938

شاركت فلسطينيات في المؤتمر النسائي الشرقي بالقاهرة، موسعات شبكة العمل السياسي النسائي عربيًا.

الجذور

قبل المؤتمر: التعليم والعمل الخيري وصناعة المجال العام

لم تبدأ مشاركة النساء الفلسطينيات في الشأن العام فجأة سنة 1929. في أواخر العهد العثماني وبدايات الانتداب البريطاني كانت المدن الفلسطينية تعرف مدارس للبنات تديرها مؤسسات دينية ومحلية وإرساليات، كما ظهرت جمعيات خيرية نسائية تهتم بالتعليم والصحة ومساعدة الأسر الفقيرة. كان هذا العمل يوصف غالبًا بالخيري أو الاجتماعي، لكنه خلق خبرة تنظيمية مهمة: إدارة الأموال، عقد الاجتماعات، مخاطبة السلطات، تنظيم المناسبات، وبناء شبكات بين الأسر والمدن. وهذه المهارات ستتحول بسرعة إلى أدوات سياسية حين تصاعدت الأزمة الوطنية في عشرينيات القرن العشرين.

كان التعليم عاملًا حاسمًا لأن القراءة والكتابة فتحتا للنساء المتعلمات باب الصحافة والمراسلات والخطابة والعمل المهني. لم تكن فرص التعليم متساوية؛ بنات المدن والطبقات الميسورة حصلن عادة على فرص أكبر من بنات الريف والطبقات الفقيرة، وظلت نسب التحاق البنات أدنى من البنين. ومع ذلك نشأ جيل من المعلمات ومديرات المدارس والكاتبات والناشطات القادرات على التحرك بين العمل الاجتماعي والسياسة. أسماء مثل نبيهة ناصر، المؤسسة المرتبطة بتطور مدرسة بيرزيت، ومتيل مغنم وزليخة الشهابي وطرب عبد الهادي ستظهر لاحقًا في الوثائق الوطنية.

تأثرت النساء كذلك بالحرب العالمية الأولى وما رافقها من تجنيد ومجاعة وأوبئة ونزوح وفقدان معيلين. أدارت الأسر موارد قليلة، وعملت النساء في الزراعة والحرف والأسواق والرعاية. هذه الخبرة لا تظهر دائمًا في محاضر المؤتمرات التي تركز على سيدات المدن، لكنها ضرورية لفهم أن العمل النسائي أوسع من قيادة الجمعيات. الفلاحة التي تحمل منتجاتها إلى السوق والعاملة والمعلمة والممرضة وربّة البيت كلهن جزء من الاقتصاد والمجتمع الذي ستتوجه إليه الجمعيات لاحقًا بالإغاثة والتعليم وجمع التبرعات.

بعد الاحتلال البريطاني وإعلان وعد بلفور ثم قيام نظام الانتداب، أصبح السؤال السياسي عن مستقبل فلسطين أكثر حضورًا في الصحافة والمجالس العامة. شارك الرجال في المؤتمرات والوفود، بينما بدأت النساء يكتبن العرائض ويرسلن الرسائل وينظمن نشاطًا داعمًا للمطالب الوطنية. لم يكن الخروج إلى السياسة خاليًا من القيود الاجتماعية؛ الحركة احتاجت إلى صياغة نشاطها بلغة تحترم قيم المجتمع وتؤكد في الوقت نفسه حق النساء في العمل العام. هذه الموازنة بين الوطنية وإعادة تعريف أدوار النساء ستكون سمة رئيسية للحركة خلال الثلاثينيات.

1929

الأزمة التي دفعت النساء من الجمعيات إلى التنظيم الوطني

شهدت فلسطين في أغسطس 1929 أعمال عنف واسعة بعد تصاعد الخلافات والتوتر حول حائط البراق والمقدسات في القدس، وامتدت الاشتباكات والقتل إلى مدن أخرى. تركت الأحداث أثرًا سياسيًا واجتماعيًا عميقًا، وأعقبتها لجان تحقيق واحتجاجات فلسطينية ضد السياسة البريطانية والهجرة الصهيونية. في هذا المناخ رأت ناشطات أن الاستجابة لا يمكن أن تبقى محصورة في الإغاثة أو البيانات الفردية، وأن النساء يحتجن إلى إطار منظم يتحدث باسمهن ويشارك في الحركة الوطنية.

تشير دراسة المؤرخة إلين فليشمان عن نشوء الحركة النسائية الفلسطينية إلى أن 1929 مثّل الانطلاقة الرسمية لحركة نسائية منظمة على مستوى البلاد. هذا الوصف لا يلغي ما سبق من نشاط، بل يميز بين جمعيات محلية وبين شبكة سياسية لها مؤتمر ولجنة تنفيذية وبرنامج. الناشطات لم يقدمن أنفسهن بوصفهن بديلًا عن الحركة الوطنية، لكنهن أصررن على تنظيمهن الخاص واجتماعاتهن ومؤسساتهن، وهو ما منحهن مساحة قرار مستقلة نسبيًا داخل مجتمع سياسي تقوده النخب الذكورية.

كان من المهم أيضًا أن الحركة ضمت مسلمات ومسيحيات. في بيئة سياسية حاولت فيها سلطات وقوى مختلفة أحيانًا قراءة المجتمع من خلال الطوائف، قدم العمل النسائي الوطني صورة عابرة لهذا التقسيم. التقت ناشطات من القدس ويافا وحيفا ونابلس وعكا ومدن أخرى حول مطالب سياسية واجتماعية مشتركة. لم تختفِ الفروق في الطبقة أو المنطقة أو التعليم، لكن التعاون بين النساء عبر الانتماءات الدينية صار جزءًا معلنًا من هوية الحركة.

الصور الأرشيفية من تلك السنة تمنح هذه القصة وجوهًا. صورة وفد النساء عند مقر المندوب السامي لا تُظهر جمهورًا مجهولًا، بل ناشطات يمكن تحديد بعض أسمائهن من السجل الأرشيفي، ومن بينهن متيل مغنم ونبيهة ناصر وبسمة فارس. الصورة تكسر فكرة أن المرأة الفلسطينية في عشرينيات القرن العشرين كانت غائبة عن السياسة، وتُظهر أنها تفاوضت مباشرة مع أعلى ممثل للسلطة الاستعمارية.

26 أكتوبر 1929

المؤتمر النسائي العربي الفلسطيني الأول في القدس

في 26 أكتوبر 1929 اجتمعت في القدس أكثر من مئتي سيدة تمثلن مدنًا وجمعيات مختلفة في المؤتمر النسائي العربي الفلسطيني الأول. ورد رقم مئتي امرأة في البرقيات التي أرسلتها اللجنة المنتخبة بعد المؤتمر، بينما تذكر مصادر ثانوية أعدادًا أكبر قليلًا؛ لذلك نستخدم الصياغة الأكثر تحفظًا: أكثر من مئتين. كان حجم الاجتماع بحد ذاته لافتًا في مجتمع كانت مشاركة النساء الرسمية في السياسة محدودة، وخصوصًا أن المؤتمر لم يكن مناسبة خيرية بل اجتماعًا صريحًا حول مستقبل فلسطين.

ناقشت المشاركات الوضع السياسي وأصدرن قرارات ترفض وعد بلفور وتطالب بحكومة وطنية ديمقراطية تمثل سكان البلاد. كما تناولت القرارات قضايا نسائية واجتماعية، منها توسيع التعليم وتشجيع الصناعة الوطنية وتقوية الصلات مع الحركات النسائية العربية. هذه الصيغة تكشف أن الوطني والاجتماعي لم يكونا مسارين منفصلين. الناشطات رأين أن بناء مجتمع أكثر تعليمًا وتنظيمًا جزء من القدرة على مقاومة السياسة الاستعمارية، وأن مشاركة النساء ليست عملًا ثانويًا ينتظر انتهاء القضية الوطنية.

انتخب المؤتمر لجنة تنفيذية من أربع عشرة سيدة عُرفت باسم اللجنة التنفيذية للسيدات العربيات. تولت اللجنة متابعة القرارات والمراسلات وتنظيم النشاط، وكان لمتيل مغنم دور في السكرتارية باللغة الإنجليزية، وهو أمر مهم لأن مخاطبة الإدارة البريطانية والمؤسسات النسائية الدولية كانت تحتاج إلى قدرة على العمل بلغات متعددة. أرسلت اللجنة برقيات إلى جهات بريطانية ودولية تشرح موقف النساء الفلسطينيات وتطلب دعم مطالبهن، ما أدخل الحركة منذ البداية في شبكة اتصالات تتجاوز فلسطين.

لم يتوقف المؤتمر عند القاعة. بعد الاجتماع توجهت المشاركات في احتجاج منظم عبر القدس، واستخدمت السيارات بعد أن فرضت الشرطة قيودًا على شكل المظاهرة والخطب. هذه المرونة تكشف قدرة سياسية عملية: حين منعت السلطة مسارًا معينًا أعادت النساء تصميم الاحتجاج بدل إلغائه. لذلك يُعد يوم 26 أكتوبر نقطة مفصلية، لأنه جمع بين النقاش والقرار وبناء المؤسسة والعمل الميداني في يوم واحد.

المواجهة مع السلطة

الوفود والعرائض: مخاطبة المندوب السامي مباشرة

كان إرسال الوفود إلى المسؤولين البريطانيين أحد أساليب السياسة الفلسطينية في زمن الانتداب، واستخدمته النساء أيضًا. ذهبت وفود نسائية إلى مقر المندوب السامي وقدمت الاحتجاجات والمطالب المتعلقة بالهجرة والسياسات البريطانية. هذا النوع من النشاط يتطلب أكثر من حضور رمزي؛ ينبغي صياغة مذكرة، اختيار المتحدثات، الاتفاق على المطالب، التعامل مع البروتوكول، ثم نشر نتيجة اللقاء في الصحافة وإرسالها إلى الفروع والجمعيات.

تظهر الصورة المؤرخة 1929 لوفد النساء عند مدخل مقر المندوب السامي قوة الأرشيف البصري. يسجل وصف مكتبة الكونغرس أن الوفد كان يحتج على زيادة الهجرة اليهودية، ويحدد بعض المشاركات بالاسم. لا يعني وجود الصورة أن الإدارة استجابت لمطالبهن، لكنه يثبت أن النساء لم يكنّ مجرد داعمات خلفية لوفود الرجال. لقد أصبحن فاعلات مرئيات في التفاوض مع السلطة، وهو تغير في المجال السياسي والاجتماعي معًا.

استخدمت النساء الرسائل والبرقيات الدولية كذلك. خاطبن ملكة بريطانيا ووزير المستعمرات ومنظمات نسائية بريطانية وغيرها، محاولات وضع القضية الفلسطينية أمام جمهور لا تصله الصحافة العربية. كانت هذه دبلوماسية شعبية مبكرة، وإن جرت بإمكانات محدودة. امتلاك بعض الناشطات تعليمًا باللغة الإنجليزية وعلاقات مع مؤسسات تعليمية ودينية ساعد على بناء هذه القنوات.

في الوقت نفسه واجهت الحركة مشكلة أساسية: الإدارة الاستعمارية تستطيع استقبال وفد ثم الاستمرار في السياسة نفسها. لذلك لم يكن الاعتماد على العرائض كافيًا، وبدأت الناشطات تجمع بين المراسلات والاحتجاج والعمل الاجتماعي والمقاطعة ودعم الإضرابات. هذا التعدد في الأدوات هو ما جعل الحركة تستمر خلال الثلاثينيات رغم اختلاف الظروف بين سنة وأخرى.

التنظيم اليومي

الجمعيات النسائية: مدارس وعيادات وإغاثة لا تنفصل عن السياسة

بعد 1929 توسعت أو تقوت جمعيات نسائية في مدن عدة، ومنها الاتحاد النسائي العربي وجمعيات محلية بأسماء مختلفة. أنشأت بعض الجمعيات مدارس أو دعمت تعليم البنات، وقدمت مساعدات طبية وغذائية، ونظمت دورات خياطة وتطريز وأعمالًا مدرة للدخل. قد يبدو هذا النشاط بعيدًا عن السياسة إذا قرئ بقاموس ضيق، لكنه كان في الواقع يبني مؤسسات فلسطينية مستقلة نسبيًا ويمنح النساء خبرة إدارية وشبكات اجتماعية واسعة.

توثق مكتبة الكونغرس مدرسة للبنات تابعة لاتحاد السيدات العربيات في حي المصرارة بالقدس. تظهر في الصورة طالبات ومعلمات في مجموعة منظمة، وهي وثيقة مهمة لأن التعليم كان أحد أهم مجالات العمل النسائي. المدرسة تعني معلمات ورواتب ومناهج ومبنى وتمويلًا وعلاقة بالأسر، أي أنها مؤسسة كاملة لا فعالية مؤقتة. وكل فتاة تحصل على تعليم إضافي توسع لاحقًا قاعدة النساء القادرات على العمل في التدريس والتمريض والإدارة.

كان لمعاهد ومراكز النساء أيضًا دور في التدريب الحرفي. تظهر صور القدس نساء عربيات يحيكن أو يغزلن داخل مؤسسة نسائية. يجب ألا نقرأ الحياكة بوصفها عودة إلى المنزل؛ التدريب الحرفي كان في حالات كثيرة محاولة لتحويل مهارة منزلية إلى دخل أو إلى إنتاج منظم يفيد الأسرة والجمعية. وبذلك التقت الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية بالسياسية، خصوصًا في فترات الإضراب والحرب حين احتاجت الأسر إلى موارد إضافية.

حدود هذا العمل مهمة كذلك. كثير من القيادات المعروفة جاءت من عائلات مدينية متعلمة وميسورة نسبيًا، بينما كانت غالبية النساء الفلسطينيات ريفيات أو عاملات بموارد أقل. حاولت الجمعيات الوصول إلى فئات أوسع بالإغاثة والتعليم، لكن التفاوت الطبقي بقي حاضرًا. الاعتراف بذلك لا يقلل من إنجاز الحركة؛ بل يجعل تاريخها أكثر دقة ويشرح لماذا تختلف تجربة ناشطة تجيد الإنجليزية وتسافر إلى مؤتمر عربي عن تجربة فلاحة تعيش تحت ضغط الأرض والدين والعمل الزراعي.

1933

نساء في مقدمة الاحتجاجات الوطنية

في 1933 تصاعدت الاحتجاجات الفلسطينية ضد السياسة البريطانية والهجرة الصهيونية، وشاركت النساء في المظاهرات والأنشطة العامة. تذكر دراسة الحركة النسائية أن الناشطات استخدمن حضورهن بصورة واعية، لأن الشرطة كانت تتردد أحيانًا في استخدام القوة ضد النساء بالدرجة نفسها التي تستخدمها ضد المتظاهرين الرجال. كانت هذه ليست سذاجة سياسية، بل قراءة لمساحة الحركة المتاحة داخل نظام استعماري ومجتمع له توقعات خاصة تجاه النساء.

في القدس قامت ناشطات بخطوات رمزية شملت زيارة أماكن دينية مسلمة ومسيحية وإلقاء رسائل وطنية، بما يؤكد وحدة المسلمين والمسيحيين في مواجهة السياسة البريطانية. استخدمت الحركة الرموز الدينية والوطنية بدل النظر إليهما كنقيضين. هذا الأسلوب يناسب طبيعة الحركة التي كانت محافظة في بعض المظاهر الاجتماعية لكنها جذرية في فعل خروج النساء إلى الشارع والسياسة.

وجود النساء في الاحتجاج غيّر صورة السياسة نفسها. المظاهرة لم تعد مساحة رجالية فقط، والشرطة والإدارة والصحافة اضطرت إلى التعامل مع متظاهرات ومنظمات لهن أسماء ومطالب. كما أصبحت الناشطات نموذجًا للفتيات الطالبات اللاتي يشاهدن نساء أكبر سنًا يتحدثن في القضايا العامة. انتقال القدوة بين الأجيال جزء من أثر الحركة الذي لا تقيسه القرارات الرسمية.

مع ذلك لم تكن العلاقة مع القيادة الوطنية الذكورية سهلة دائمًا. تعاونت الجمعيات مع اللجان والهيئات الوطنية، لكنها حرصت على بقاء مؤسساتها النسائية قائمة ولم ترد الذوبان الكامل في لجان الرجال. هذه الرغبة في الاستقلال التنظيمي هي أحد الأسباب التي تجعل المؤرخات يرين في الحركة عنصرًا نسويًا حتى حين كانت الناشطات يضعن التحرر الوطني في مقدمة خطابهن.

1936–1939

الإضراب والثورة: الإغاثة والتمويل والتنظيم تحت القمع

بدأ الإضراب العام الفلسطيني في أبريل 1936 ثم تطور الصراع إلى الثورة الكبرى ضد الحكم البريطاني والسياسات الداعمة للمشروع الصهيوني. في مايو عقدت اللجنة التنفيذية النسائية اجتماعات لدعم الإضراب، وشاركت الجمعيات في جمع الأموال والإغاثة ومساعدة أسر المعتقلين والجرحى والمتضررين. حين يطول الإضراب أشهرًا لا تكفي الخطب؛ تحتاج الأسر إلى طعام ودواء ودخل، وهنا أصبحت خبرة الجمعيات الخيرية أداة سياسية مركزية.

عملت النساء كذلك في نقل المعلومات والمواد وتقديم الرعاية بدرجات مختلفة، خصوصًا في الريف حيث كانت العمليات العسكرية والاعتقالات والتفتيش تؤثر في القرى. لا تتوفر وثائق متساوية لكل هذه الأدوار، ويجب الحذر من تعميم قصص فردية، لكن الأدبيات التاريخية تؤكد اتساع المشاركة النسائية في الدعم والإغاثة. كانت السلطة البريطانية تدرك أن الحركة لا تعمل فقط من خلال المقاتلين، ولذلك راقبت الجمعيات والتمويل والاتصالات.

شكل القمع البريطاني تحديًا ثقيلًا: اعتقالات، حظر تجول، تفتيش، هدم وعقوبات جماعية في مناطق مختلفة. حين يُعتقل الرجال أو يختفون يزداد عبء إدارة الأسرة على النساء، وحين تُغلق الطرق تصبح مهمة الوصول إلى السوق أو الطبيب أصعب. لذلك كان أثر الثورة جنسانيًا حتى على نساء لم ينتمين إلى جمعية سياسية. التاريخ الذي يركز على المعارك وحدها يفوّت هذه التحولات في العمل والرعاية والاقتصاد المنزلي.

خلال الثورة ازداد أيضًا اتصال الناشطات بالحركات النسائية العربية. فلسطين لم تكن حالة معزولة؛ نساء مصر وسوريا ولبنان والعراق تابعن الأخبار ونظمن نشاط تضامن. هذه الشبكات ستظهر بصورة واضحة في مؤتمر القاهرة سنة 1938، حين سافرت فلسطينيات لعرض القضية أمام مؤتمر نسائي شرقي واسع.

القاهرة 1938

من فلسطين إلى المؤتمر النسائي الشرقي

في أكتوبر 1938 انعقد في القاهرة مؤتمر نسائي شرقي بدعوة ورعاية من قيادات نسائية مصرية بارزة، وفي مقدمتهن هدى شعراوي، لمناقشة قضية فلسطين والتضامن معها. سافرت مجموعة من النساء الفلسطينيات للمشاركة، وتوجد صورة أرشيفية موثقة لوفد سيدات فلسطينيات يغادر محطة اللد باتجاه القاهرة في 12 أكتوبر. هذه الصورة تربط السكك الحديدية بالتاريخ السياسي: القطار لم يحمل بضائع ومسافرين فقط، بل حمل وفدًا نسائيًا من حركة وطنية إلى منصة عربية.

شاركت متيل مغنم في المؤتمر ضمن ناشطات فلسطينيات، وقد كانت لديها خبرة طويلة في مخاطبة الجمهور الدولي باللغة الإنجليزية. تبادل المؤتمر المعلومات عن الثورة والقمع والسياسة البريطانية، وأصدر مواقف تضامن. أهمية اللقاء لا تكمن في أنه غيّر ميزان القوى مباشرة، بل في بناء شبكة عربية عابرة للحدود جعلت قضية فلسطين موضوعًا للحركة النسائية الإقليمية.

كما أظهر السفر قدرة النساء على العمل خارج الإطار المحلي. الناشطة التي كانت قبل سنوات تدير مدرسة أو جمعية في القدس أصبحت تمثل فلسطين أمام جمهور عربي وإعلام إقليمي. هذا التحول يوضح كيف تنتج المؤسسات الصغيرة قيادات عامة مع مرور الوقت. ومن جهة أخرى، ظل السفر متاحًا أساسًا لنساء يملكن الموارد والتعليم والعلاقات، ما يعيدنا إلى سؤال الفروق الطبقية داخل الحركة.

في السنوات التالية للحرب العالمية الثانية ستتسع الاتصالات العربية والدولية أكثر، لكن 1938 يبقى لحظة مهمة لأنه جاء في ذروة الثورة الفلسطينية وفي وقت كان القمع البريطاني شديدًا. بدل أن يؤدي ذلك إلى انكماش الحركة داخل البيوت، استثمرت بعض الناشطات في توسيع صوتها خارج فلسطين، وهو خيار سيصبح مألوفًا جدًا للحركة الوطنية الفلسطينية بعد 1948.

سير نسائية

متيل مغنم وزليخة الشهابي: القيادة ليست اسمًا واحدًا

متيل مغنم واحدة من الأسماء الأكثر توثيقًا في الحركة. كانت مسيحية فلسطينية متعلمة وشاركت في تنظيم مؤتمر 1929 ثم في اللجنة التنفيذية، واستخدمت الإنجليزية في المراسلات والعمل العام. نشرت سنة 1937 كتابًا باللغة الإنجليزية عن المرأة العربية وقضية فلسطين، وهو مثال على محاولة مخاطبة جمهور دولي لا يقرأ العربية. سيرتها تكشف كيف جمعت ناشطة واحدة بين التنظيم المحلي والكتابة والدبلوماسية الشعبية والعمل الخيري.

زليخة الشهابي كانت من أبرز ناشطات القدس، وارتبط اسمها بالجمعيات النسائية والعمل الوطني والاجتماعي على مدى عقود. شاركت في تنظيم النشاط النسائي وفي الإغاثة والتعليم، واستمر حضورها بعد 1948. التركيز على استمراريتها مهم لأن تاريخ الحركة النسائية لا ينتهي عند النكبة؛ المؤسسات والأشخاص نقلوا الخبرة إلى سياقات جديدة في القدس والضفة والشتات.

هناك كذلك طرب عبد الهادي، ونبيهة ناصر، وبسمة فارس، وساذج نصار وغيرهن من المعلمات والكاتبات والناشطات. بعض الأسماء تظهر بوضوح في الصحافة والمحاضر، وبعضها أقل توثيقًا رغم دور حقيقي. كتابة التاريخ النسائي تحتاج إلى البحث في سجلات المدارس والجمعيات والرسائل والصور، لأن الأرشيف السياسي الرسمي صُمم غالبًا لتسجيل قرارات الرجال والمؤسسات الحكومية أكثر من تفاصيل عمل النساء.

من المهم ألا يتحول سرد السير إلى صناعة بطلات منفصلات عن المجتمع. كل ناشطة اعتمدت على زميلات ولجان وأسر وطالبات ومتبرعات وعاملات. القوة التاريخية للحركة ليست أن امرأة استثنائية تحدت عصرها وحدها، بل أن شبكات نسائية نجحت في جعل المشاركة العامة ممارسة قابلة للتكرار. حين نرى صورة الوفد أو المدرسة نرى مؤسسة، لا فردًا واحدًا.

الرمز والهوية

الملابس والتطريز والغطاء الوطني كسياسة مرئية

تظهر صور الثلاثينيات فتيات ونساء فلسطينيات يرتدين أغطية رأس أو أزياء وُصفت في سجلات ماتسون بأنها رموز للقومية العربية. الملابس هنا ليست دليلًا بسيطًا على موقف كل من ترتديها، لكن الصورة تكشف أن الهوية الوطنية دخلت المجال البصري واليومي. كما أن التطريز والزي الريفي، اللذين كانا سابقًا مرتبطين بالقرية والمنطقة والحالة الاجتماعية، اكتسبا مع الزمن معاني وطنية أوسع.

شاركت الجمعيات النسائية في الحرف والتدريب والمعارض، فانتقلت مهارات النسيج والتطريز بين البيت والسوق والمؤسسة. يمكن للمنتج أن يجمع بين مصدر دخل ورمز ثقافي. خلال الأزمات يصبح شراء المنتج المحلي أو مقاطعة المستورد فعلًا اقتصاديًا وسياسيًا، ولهذا شجعت الحركة الصناعة الوطنية. كانت هذه السياسة اليومية أقل إثارة من المظاهرة لكنها تؤثر في اختيارات آلاف الأسر.

تظهر صورة أخرى نساء في القدس يحيكن داخل معهد نسائي، وتكشف علاقة المؤسسة بالعمل. إذا قرأنا الصورة فقط بوصفها فولكلورًا نفقد معناها الاقتصادي. التدريب يمكن أن يساعد امرأة على كسب دخل، والجمعية تستطيع بيع المنتجات لتمويل مدرسة أو إغاثة. هكذا يصبح الخيط جزءًا من بنية اجتماعية وسياسية أوسع.

بعد 1948 سيزداد تحميل الثوب والتطريز معاني الذاكرة والهوية بسبب فقدان القرى والنزوح. لكن جذور استعمال الثقافة المادية في النشاط الوطني موجودة قبل النكبة. إدراك هذه الاستمرارية يمنع التعامل مع الرموز الفلسطينية المعاصرة كاختراعات متأخرة، ويعيدها إلى مسارات اجتماعية طويلة صنعتها النساء بصورة مركزية.

1947–1948

الحرب والنكبة: حين تحولت خبرة الإغاثة إلى ضرورة للبقاء

مع اندلاع الحرب في أواخر 1947 ثم اتساعها في 1948 واجهت المدن والقرى الفلسطينية نزوحًا واسعًا وانهيارًا في الخدمات والطرق. تحولت شبكات الجمعيات النسائية إلى أدوات إغاثة في ظروف أشد خطورة: جمع الطعام والملابس والدواء، مساعدة النازحين والجرحى، وتنظيم مراكز للرعاية حيث أمكن. الخبرة التي بُنيت خلال الثلاثينيات لم تمنع الكارثة، لكنها أعطت المجتمع أشخاصًا ومؤسسات يعرفون كيف ينظمون مساعدة سريعة.

تعرضت الحركة نفسها للتمزق الجغرافي. نزحت ناشطات وأسر من يافا وحيفا ومدن وقرى أخرى، وأصبحت الحدود الجديدة تفصل شبكات كانت تتحرك داخل فلسطين بسهولة أكبر. بعض النساء انتقلن إلى لبنان أو الأردن أو الضفة الغربية، وبعضهن بقين داخل إسرائيل، فصار العمل النسائي الفلسطيني موزعًا على أنظمة سياسية مختلفة. هذه التجزئة ستحدد شكل المؤسسات في العقود التالية.

النكبة غيرت أيضًا طبيعة الأولويات. قضايا التعليم والحقوق الاجتماعية بقيت، لكن اللجوء والإغاثة وحق العودة والحفاظ على الأسرة والهوية أصبحت قضايا وجودية لمئات آلاف الفلسطينيين. النساء في المخيمات لعبن دورًا محوريًا في إدارة الحياة اليومية والتعليم غير الرسمي والعمل، حتى عندما لم يحمل نشاطهن اسم منظمة سياسية. بذلك استمر خط تاريخي بين الجمعيات قبل 1948 والعمل الأهلي والنسائي في الشتات.

قراءة الحركة حتى 1948 تكشف أن النساء لم ينتظرن قيام مؤسسة وطنية تمنحهن دورًا. أسسن مؤسساتهن وخاطبن السلطة وخرجن إلى الشارع وسافرن إلى المؤتمرات وأدرن المدارس والإغاثة. لم يتحقق تساوٍ اجتماعي كامل، وكانت القيادة محدودة طبقيًا في جوانب كثيرة، لكن الحركة غيرت تعريف من يحق له أن يكون فاعلًا سياسيًا في فلسطين. هذه هي أهميتها التاريخية الطويلة.

منهج البحث

كيف نقرأ أرشيف النساء من دون تكرار غيابهن؟

أرشيف الحركة النسائية موزع بين الصحف ومحاضر الجمعيات والرسائل والصور وسجلات الانتداب والمذكرات والمقابلات الشفوية. إذا اعتمد الباحث على وثائق الحكومة وحدها ستظهر النساء غالبًا عند الاحتجاج أو الاعتقال، وإذا اعتمد على صور المناسبات قد يرى النخب فقط. لذلك لا بد من جمع أنواع مختلفة من المصادر ومقارنة ما تقوله. دراسة فليشمان مثال مهم لأنها استخدمت الصحافة والمذكرات والمقابلات والوثائق لتعيد بناء شبكة الحركة لا حدثًا واحدًا.

حتى وصف الصورة يحتاج إلى نقد. عناوين مجموعة ماتسون كتبت في سياق تاريخي مختلف وقد تستخدم لغة قديمة أو تصنيفات استعمارية. لكن السجل يوفر تاريخًا تقريبيًا ومكانًا ورقمًا أصليًا وبيانات حقوق، ويمكن مقارنته بمصادر أخرى لتحديد الأشخاص. في صورة وفد 1929 أضيفت أسماء بعض النساء من أبحاث لاحقة، وهو مثال على أن الأرشيف نفسه يتطور عندما يضيف الباحثون معرفة جديدة.

كذلك يجب تجنب تحويل كل نشاط نسائي إلى كلمة نسوية بمعناها المعاصر. كثير من الناشطات استخدمن لغة وطنية وأمومية وخيرية، وبعضهن دافعن عن أدوار اجتماعية تقليدية في جوانب معينة. لكن فعل تأسيس منظمة نسائية مستقلة والخطابة والتظاهر والسفر واتخاذ القرار وسّع عمليًا حدود الدور المتاح للنساء. يمكن وصف هذا التعقيد بدل فرض هوية سياسية حديثة على جميع المشاركات.

وأخيرًا لا ينبغي أن ينتهي الأرشيف عند أسماء القيادات. الصورة التي تجمع طالبات مدرسة أو نساء عاملات أو فلاحات في طريق السوق تفتح بابًا لتاريخ أوسع: من كانت تدفع رسوم المدرسة؟ كم تستغرق رحلة السوق؟ كيف تقسم الأسرة العمل؟ من تعلم من؟ هذه الأسئلة تحول تاريخ النساء من فصل إضافي إلى طريقة جديدة لقراءة المجتمع الفلسطيني كله.

شاهد

فيديوهات موثوقة للسياق التاريخي

اخترنا المواد المرئية أدناه لأنها متاحة حاليًا على قنوات معروفة أو أرشيفية وتقدّم سياقًا بصريًا يساعد على قراءة الوثائق والصور. تبقى المصادر المكتوبة والأرشيفية في أسفل الصفحة المرجع الأساسي للتحقق من التفاصيل.

الجزيرة الوثائقية

أول مظاهرة نسائية فلسطينية سنة 1929

مادة عربية قصيرة عن خروج النساء الفلسطينيات في الاحتجاج السياسي بعد مؤتمر 1929، تُستخدم مدخلًا بصريًا مع دراسة الحركة والوثائق الأصلية.

Mahasen Nasser-Eldin / Palestine Cinema

The Silent Protest — Jerusalem 1929

فيلم قصير يستعيد احتجاج النساء في القدس سنة 1929 اعتمادًا على البحث والأرشيف، ويصلح لمقارنة الذاكرة البصرية بالصور التاريخية الأصلية.

الجزيرة الوثائقية

زليخة الشهابي والحركة النسائية في القدس

مادة عن زليخة الشهابي ودورها في تأسيس وتنظيم العمل النسائي الفلسطيني في القدس خلال النصف الأول من القرن العشرين.

المصادر

المصادر والمراجع

بُني هذا المقال على مراجع أرشيفية ومؤسسات بحثية ومصادر أولية أو مجموعات رقمية يمكن الرجوع إليها. الروابط أدناه مقصودة للقراءة المتعمقة، وللتأكد من التواريخ والصور والسياقات الواردة في النص.

ملاحظة الأرشيف

التاريخ هنا قابل للتحقق والتوسّع.

الأرقام المتعلقة بمؤتمر 1929 تختلف قليلًا بين بعض الروايات، لذا اعتمدنا التعبير الموثق في برقية اللجنة: مئتا سيدة، وقلنا أكثر من مئتين بدل رقم أعلى غير ثابت. كما فصلنا بين ما تثبته محاضر الحركة والصور وبين التفسيرات اللاحقة لمفهوم النسوية، حتى لا نفرض لغة معاصرة على جميع المشاركات.